الرئيسية | المعجمية العربية | بحوث معجمية | أســئلة حــول المعجــم التـاريـــخي
 

صفحة شبكة صوت العربية في فيسبوكtwitterقناة شبكة صوت العربية في يوتيوبشبكة صوت العربية في موقع فليكر

أســئلة حــول المعجــم التـاريـــخي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث معجمية
تقييم المستخدمين: / 7
سيئجيد 
الكاتب سليمان إبراهيم العايد   
الثلاثاء, 07 أغسطس 2012 23:47

ملخص البحث :

لا شك أن أي عمل يكتنفه بعض الإشكالات ، ويمكن الإجابة عنها لدى المعنيين به ، وإن تأبت الإجابة أو عسرت لدى غيرهم ، والمعجم التاريخي ليس بمعزل عنها ، ومنها :

    • مشكلة الوضع والاستعمال ؛ إذ المعجم العربي يولي هذه الثنائية أهمية كبيرة ، ويعنى المعجم العربي بالوضع ، أو بالأوضاع من شرعية واصطلاحية وعرفية ولغوية ، ولا يلتفت إلى الاستعمال ، كما سنوضح ونفصل في البحث .
    • المعجم العربي لا يعرف ما تعرفه المعاجم الأخرى من حركة التنقية والاستغناء عن بعض المفردات والكلمات ، فلا يمكن لكلمة حلت فيه مادة أو كلمة مشروحة أن تخرج منه ، بخلاف اللغات الأخرى ، كما سنوضِّح ذلك في تفصيلات الورقة .
    •  مشكلة ما يقرره الصرفيون من الأصول وأن للكلمات أصولا مفترضة ، فهل هذه الأصول المفترضة قد كانت يوما من الأيام مستعملة حية ، ثم هجرها العرب في فترة من فترات حياتهم اللغوية ، وكذا ما يقرره أهل اللغة بشأن الأصول المماتة ، التي لم تتكلم العرب بها ، وإن تكلمت ببعض مشتقاتها .
    •  مشكلة ما يقرره الصرفيون من أصالة بعض الكلمات وفرعية بعضها الآخر . كتقرير أن المصدر هو الأصل وغيره من المشتقات فرع ، وهل يلزم من هذه الأصالة سبق تأريخي؟

-  مشكلة أن الأكثر استعمالا هو الأصل وهل يلزم منه هذا السبق التأريخي ، وأن الأكثر استعمالا هو الأصل؟

- المادة اللغوية المكوَّنة من أصوات واحدة قد يكون لها غير معنًى واحد ، وهو ما يعبر عنه ابن فارس في معجم مقاييس اللغة ، فهل نجرؤ لنقول : إن أحد هذه الأصول سابق على غيره ، وهل يمكن ترتيب هذه الأصول تاريخيا؟ .

  1. - المعجم العربي أو علم المفردات يوظَّف في خدمة علوم اللغة العربية الأخرى ، كالبلاغة ، والنحو والصرف .
  2. - المعجم العربي مبني على شكلية لفظية هي المشترك بين مواده .
  3. - المعجم العربي مبني على تقسيم دلالة الألفاظ إلى أربعة أقسام هي : التباين ، والترادف ، والمشترك اللفظي ، والتضاد .
  4. - وهناك استفسارات وأسئلة أخرى احتوتها هذه الورقة .

 

 

 

و آمل أن أوفي هذه النقاط حقها من النقاش ، كما آمل من خلال الحوار العلمي الموضوعي في الندوة تصحيح ما فيها من خلل . والله الموفق للصواب .

********************

موضوع هذه الندوة ليس جديدًا على ساحتنا اللغوية ، فكم من ندوة أو مؤتمر أو لقاء خص به أو تناوله بوجهٍ ما ، ويكفي أن نشير إلى ندوة نظّمتها جمعية المعجمية العربية بتونس في الفترة (14-17/11/1989م) بعنوان «المعجم العربي التاريخي : قضاياه ووسائل إنجازه» وانتهت الندوة إلى توصيات عامة ، وأخرى عملية قابلة للتنفيذ ، تدعو إلى تحقيق أمنية يتمنّاها بعض المنتمين لعلوم العربية وغيرهم . ولا ندري ما تمّ بشأنها ، أم هي مجرّد توصيات آخر العهد بها قراءتها في ختام الندوة ، ونشرها على الملأ . (ينظر مجلة المعجمية / العددان الخامس والسادس 1909هـ -1910هـ 1989-1990م) .

وها نحن أولاء نعيد الكرّة ، فنجتمع ، ونتلو ما لدينا من أوراق عمل ، ونستمع لآراء وأفكار قد تتفق أو تختلف مع ما جاء في اللقاءات السابقة ؛ ومن هنا كانت دعوتي وأسئلتي التي آمل أن تتسع لها صدوركم ، وأن تجد منكم الإجابات الشافية .

«وفي العصر الحديث ، ونتيجة لاطلاع العرب على الدراسات اللغوية عند الغربيين ظهرت محاولات ودعوات، وجهود لدراسة الكلمة أو بعض جوانبها دراسةً تاريخيةً مقارنة، ظهر هذا بصورٍ متفاوتة في أعمال: الشدياق والكنتوري- كرامت حسين- وجرجي زيدان في أواخر القرن التاسع عشر، واستمر ذلك إلى منتصف القرن العشرين في أعمال أنستاس ماري الكرملي، ومرمرجي الدومنكي ، والشيخ عبد الله العلايلي.

وبلغت الفكرة ذروتها في مجمع اللغة العربية في القاهرة منذ صدر مرسوم إنشائه سنة: 1350هـ- 1932م، إذ جعل من أغراضه (أن يقوم بوضع معجم تاريخي في اللغة العربية)، وعلى مدى ما يزيد على سبعين عامًا أخفق العرب في تأليف هذا المعجم، وفترت حماسة المجمعيين واللغويين، واستبدل به المعجم الكبير الذي لم يتم هو الآخر مع اتساع الفرق بين هذا وذاك، ويظل المعجم التاريخي في اللغة العربية واحدًا من أحلام العرب التي لم تتحقق رغم قدرتهم على تحقيقها ، كما يقول دعاته.

والعربية أحق من غيرها بالمعجم التاريخي، فلا تُعرَفُ لغةٌ غيرها ظلت مستعملة كالعربية عبر ما يزيد على خمسة عشر قرنًا، وستظل كذلك ما بقي كتاب الله محفوظًا بحفظه عز وجل.

وليس كل ما لا يدرك يترك، وتدافع الغايات يحول دون الوصول إليها، وأول الغيث قطرة، ومن لبنة إلى جنب لبنة تقوم الصروح، وكثيرٌ من الباحثين يحجمون عن دراسة تاريخ الكلمة العربية، ولو اقتصر كل باحثٍ على جزءٍ من هذا التاريخ لهانت هذه الدراسة، ولوصلنا إلى نتائج مرضية في تاريخ الكلمة العربية، فإذا كان الموضوع لا يستطيع باحثٌ القيام به بمفرده فتفتيته إلى جزئيات يأخذ كل باحثٍ منها واحدةً خيرٌ من أن يترك الموضوع برمته، أو نتركه لمن يصدر أحكامًا جزافًا ليست مبنيةً على أسس علمية، وإنما هي تكهنات وتخرصات.

و عد أحد الباحثين بحثه في العلاقة بين أحرف الصفير وأثرها في اللفظ والمعنى دراسة في تاريخ الكلمة العربية من خلال أحرف الصفير: وهي (ز، س، ص) ، وجزءًا من عمل المعجم التاريخي » (العلاقة بين أحرف الصفير وأثرها في اللفظ والمعنى/ مقبل بن علي الدعدي/رسالة ماجستير /كلية اللغة العربية / جامعة أم القرى ص6-7)

تعرف محتوى المعجم التاريخي قد يكون معينًا على تعرف أشياء تتعلّق به ؛ فمؤلفوه سيكون لديهم مادة من خليط ممّا تعنى به علوم العربية الأخرى ، والأعمال الموسوعية ؛ فالجزء المطبوع من معجم "فيشر" يحوي مادة لغوية محصورة بنهاية القرن الثالث ، وقد رجع في جمعها لمصادر بعد هذا القرن ، فذكر أو أورد «أسماء الأشخاص والقبائل والبلاد أحيانًا إذا احتمل أنها تبيّن معنى اسم جنس ، والمشتقات من أسماء الفاعل والمفعول ، و مصادر الأفعال المزيدة إذا كان لها معان خاصة ، مثل : حاكم وشاهد وعامل وقاض وكاتب ووال ومسلم ومؤمن ومشرك ، ومبتدأ ، ومجتهد ، ومحتسب ، وتاريخ ، وتجنيس ، ومزاوجة ، وإسلام ، وإضافة ، وإقواء ، واقتضاب ، واستدراك» عبد العزيز الحميد/ أعمال المستشرقين العربية في المعجم العربي – دراسة وتقويم ) رسالة دكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، نوقشت في عام 1421هـ ولعلّه يقصد هنا ما صار له وضع خاص ، بمعنى أن يدلّ بالوضع على معنًى ما . كما أورد في معجمه كل ما يخطر في البال من لغة وصرف ونحو ، مفردات وتراكيب ، ووضع واستعمال ، حقيقة ومجاز ولازم ، ممّا يجعله أشبه بمدوّنة مرجعية لا تناسب القارئ ، أو أشبه بمسوّدات أولية ، تنتقى منها المادة التي تقدّم للقارئ في كتاب (معجم) .

وأول سؤال يطرح : هل اتفق على مفهوم واحد للمعجم التاريخي ؟

وهل كان قبول المجمع لفكرة المعجم التاريخي مبنيًّا على أساس علمي ، أم كان متسرَّعًا فيه ؟ وما ذا يعني تراجع المجمع عن قراره أو تذبذبه؟

وما الهدف منه ؟ أهو التاريخ لألفاظ اللغة كلها في فترة محدّدة؟ أم تعرف التطور التاريخي لبعض ألفاظ من اللغة كالمعرب والدخيل؟

نحن نريد من دعاة المعجم التاريخي تحديد أهدافه بوضوح والاتفاق عليها .

وهل المعجم التاريخي سيأتي بجديد في الصناعة المعجمية العربية التي من أبرز أهدافها تصنيف الألفاظ حسب درجتها في الفصاحة؟

بم نجيب فيما لو حصل نزاع بين المنتمين إلى اللهجات العربية المعاصرة كالتونسية والمصرية مثلا في أيهما نقدِّم وبأيِّهما نعتدّ , وأي اللهجات أولى بالمعجم؟

هل العربية بحاجة إلى مثل هذا المعجم ؟ و هل الأهداف التي يتوخّاها يمكن تحقيقها من خلال كتب اللغة والمعاجم؟

و ما الحجم المتوقّع لهذا المعجم ؟ وما الزمن المتوقّع لإنفاذه ، وقد قدّر بعضهم المدّة بحوالي ثلاثمائة عام بناء على النموذج المنجز (الأجزاء الثلاثة من معجم فيشر : المعجم الكبير)؟

يلحظ من يطالع نموذج المعجم التاريخي خروجه على نسق التأليف الذي يجنح إلى دقة الصياغة و عدم إيراد البدهيات والمسلّمات ، والاستغناء بالكلام القليل عن كثيره ، وعمل المعجم حسب النموذج أقرب إلى المسوَّدات البحثية ، وأقرب ما يكون إلى عمل الجامعين الذين ليس لديهم وقت للاختصار والانتقاء ، والتخلص من فضول القول والكلام ، فهل لدى دعاة هذا النمط من التأليف المعجمي جواب عن هذا السؤال؟ .

المعجم يعنى بالدلالة الاجتماعية أو الدلالة المعجمية ، وهما مترادفان كما يذهب إلى ذلك بعض اللغويين المحدثين . (إبراهيم أنيس /دلالة الألفاظ/مكتبة الأنجلو المصرية /عام1976م /ص50) فالكلمة «لها دلالة معجمية أو اجتماعية ، تستقلّ عمّا يمكن أن توحيه أصواتها أو صيغتها من دلالات زائدة على تلك الدلالة الأساسية». (إبراهيم أنيس /دلالة الألفاظ/مكتبة الأنجلو المصرية /عام1976م /ص48) «فليس من مهمة المعجم الحديث أن يبين كيف نشتق اسم الفاعل من كل فعل من أفعال اللغة ، ولا الجمع لكل اسم من أسماء اللغة ، و.... قد يعرض لشيء من هذا حين تكون الصيغة الشائعة غير جارية على النظام المألوف لاسم الفاعل أو الجمع ؛ فعالم اللغة يحاول تقعيد القواعد ويوقفنا على المطرد القياسي منها ليستطيع كلٌّ منا استنباطها بنفسه أو قياسها دون حاجة إلى سماعها من غيره ، أو الكشف عنها في معجم من المعاجم ، فإذا استقرّت تلك القواعد وأصبح كلٌّ منا يدرِك كيف يشتق اسم الفاعل اشتقاقًا قياسيًّا مطّردًا ، وكيف يستخرج المضارع من الماضي أو العكس بطريقة قياسية مطردة ، لم يعد هناك حاجة إلى النصِّ على كلِّ هذا في صلب المعاجم ، أما ما يجري على غير المألوف من جموع أو مشتقّات فتلك هي التي يعنى بها بعض مؤلِّفي المعاجم ، ويرى من الضروري النصَّ عليها» (إبراهيم أنيس /دلالة الألفاظ/مكتبة الأنجلو المصرية /عام1976م /ص50)

فالمعجمي يعنى بالأوضاع على اختلافها من لغوية وشرعية وعرفية واصطلاحية , ولا يعنى بالاستعمال ؛ لأنه فوق طاقته ، ولا يمكن للمعجمي أن يحيط بجميع الاستعمال اللغوي الذي يخرج بالكلم عن أوضاعها الأولى إلى معان استعمالية مجازية من مجاز مرسل واستعارة ومجاز عقلي وكناية مما يترك أمر تتبعه ووضع القواعد له إلى علم آخر هي علوم البلاغة العربية

ولو فكر المعجمي بتتبع المعاني الاستعمالية وتدوينها لكان لزاما عليه أن يجعل جميع ما كتب في العربية نصوصا معجمية كما هي فكرة الذخيرة اللغوية .

وعلوم اللغة علوم تتكامل لا يغني علم منها عن العلوم الأخرى فالمعجم يعنى بمعاني الألفاظ والمفردات والنحو يعنى بعلم التراكيب والأدوات مما لا يأتي عليها المعجم ، والبلاغي يعنى بمعرفة المعاني من خلال سياقاتها ومقاماتها وقرائنها اللفظية والحالية .

فلو أردنا الحديث عن معاني "رأيت أسدًا يخطب" رجعنا في تفسير مفردات "رأى ، أسد ، يخطب" إلى المعاني اللغوية في المعجم ، وفي معرفة المعاني الصرفية لـ"رأى ، يخطب" نرجع إلى علم الصرف ، وفي معرفة المعاني النحوية من إسناد ، ومضيّ ، وفي معرفة المعاني السياقي المتعلِّق بمقصد المتكلِّم الّذي خرج باللفظة عن وضعها اللغويّ إلى معنًى يقصده المتكلِّم بمعنى أنه نقله من المعنى الوضعي إلى معنًى استعماليٍّ ، وتعيين هذا المعنى يتطلّب تحديد علاقة بين المعنيين ، وقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي الوضعي ، وهذا إنما يكون من خلال علم البيان . وكذا لو أردنا تفسير قولهم "فلانٌ عريض الوساد" لرجعنا إلى اللغة في معجمها لشرح المفردات ومعرفة أصل معناها اللغوي ، وإلى النحو لتعرُّف المعاني النحوية ، وإلى علم البيان لمعرفة مقصد المتكلِّم الذي خرج باللفظ والتركيب عن ظاهر معناه إلى لازمه ، وهو الغباء .

الكلمة إذا حلّت في المعجم العربي لا يمكن إخراجها ومن السائغ هجر استعمالها لكنها لا تسقط من حساب اللغوي .

الكلمة ذات الأوضاع المتعدّدة هي المسمّاة بالمشترك اللفظي ، وليس وضع لها بأولى من وضع ، وتعيين المراد من معانيه في تركيبٍ ما عن طريق السياق من حاليٍّ ومقاميٍّ .

لدى اللغويين المحدثين ما يسمونه الدلالة المعجمية أو الاجتماعية , وهي دلالة المفردات على المعنى اللغوي العام ، وبعضهم يجعلها دلالة اللفظة على معناها اللغوي قبل أن تتلبّس بالدلالة الصرفية أو النحوية ؛ لأن هاتين الدلالتين مرجعهما الصرف أو النحو ، بخلاف دلالة اللفظ فدلالته معجمية . والمشتقات تضاف إليها الدلالة الصرفية ، ولا تتخلّى عن أصل دلالتها المعجمية ، وأما الألفاظ بعد تركبها مع غيرها فهي لا تتخلّى عن أصل دلالتها المعجمية غير أنها تفنى في الدلالة النحوية ، وأما إذا طرأ عليها إخراجها عن أصل ما وضِعت له باستعمال مجازي فهي قد انفصلت عن أصل معناها المعجمي ، ولا يقصده المتكلم ، ولا يجوز أن تحمل عليه ، للقرينة المانعة من العودة إلى أصل المعنى ، ويتوجّب أن يقصد المعنى المجازي الاستعمالي .

لو ألقينا نظرة على أي معجم عربي لرأيناه يعنى بالوضع وعنايته بالاستعمال عرضة ؛ فالزمخشري في أساس البلاغة حين عني بالمجاز وهو أمر استعمالي خرج عما استقرت عليه الحال في صناعة المعجم ، وإليك ما دتين من معجم عام ومن الأساس :

من الأساس " ب ر ق"

« برقت السماء ورعدت وأبرقت وأرعدت. ونشأت بارقة. ونزلنا في برقة من البرق والبراق وفي أبرق من الأبارق وفي برقاء من البرقاوات. وجبل أبرق. وناقة بروق: تلمع بذنبها من غير لقاح. ويقال للوعد الكاذب: لمع البروق بالذنب. وأشكر من بروقة، وأقصف من بروقة. وبرق طعامه بزيت. وما في ثريده إلا برقة وبرق و تباريق من زيت؛ وبرق بصره. وكلمته فبرق أي : تحير. وأبرقت فلانة عن وجهها: كشفت. وأبرق بسيفه: لمع به.

ومن المجاز: فلان يبرق لي ويرعد : إذا تهدد. ورأيت في يده بارقة وهي السيوف. وحدثته فأرسل برقاويه أي : عينيه لبرق لونيهما. قال:

        ومنحدر من رأس برقاء حطه ... مخافة بين من حبيب مزايل

وبرق عينيه: فتحهما جداً ولمعهما. وأبرقت لي فلانة وأرعدت : إذا تحسنت لك وتعرضت ».

من الصحاح مادة "برق" :

«بَرَقَ السيف وغيره يَبْرُقُ بروقًا، أي تلألأ. والاسمُ البَريقُ. والبَرْقُ: واحد بُروقِ السحاب. يقال بَرْقُ الخُلَّبِ، وبَرْقُ خُلَّبٍ بالإضافة، وبَرْقٌ خُلبٌ بالصفة، وهو الذي ليس فيه مطر. ويقال رعدت السماء وبَرَقَتْ بَرَقاناً، أي لمعتْ. ورَعَدَ الرجل وبَرَقَ، أي تهدَّدَ. ورَعَدَتِ المرأة وبَرَقَتْ، أي تَزيَّنتْ. وأرعد القوم وأَبْرَقوا، أي أصابهم رعدٌ وبَرْقٌ. وأَبْرَقَ الرجلُ، إذا لَمَعَ بسيفه. وأَبْرَقَتِ الناقةُ وبَرَقَتْ أيضاً، إذا شالت بذَنَبِها وتلقّحتْ وليست بلاقحٍ، فهي بَروقٌ ومُبْرِقٌ، ونوقٌ مَباريقُ.قال أبو صاعدٍ الكلابيّ: البَريقَةُ اللبن تًصَبُّ عليه إهالةٌ أو سمنٌ قليلٌ، والجمع البَرائِقُ. يقال ابرُقوا الماءَ بزيتٍ، أي صُبُّوا عليه زيتاً قليلاً. وقد بَرَقوا لنا طعاماً بزيتٍ أو سمن بَرْقاً. وهي التَباريقُ، وهو شيءٌ منه قليلٌ لم يُسًغْسِغوه، أي لم يكثروا دُهْنَهُ. وَبَرِقَ البصرُ بالكسر يَبْرُقُ بَرَقاً، إذا تحيَّر فلم يَطْرِف. قال ذو الرمة:

ولو أنَّ لُقمانَ الحكيمَ تَعَرَّضَتْ

 

لعينيه مَيٌّ سافِراً كان يَبْرُقُ

 فإذا فلت: بَرَقَ البصر بالفتح، فإنَّما تعني بَريقَهُ إذا شَخَصَ. والبَرْوَقَ ساكنة الراء: نبتٌ، الواحدة بَرْوَقَةٌ. وفي المثل: أَشْكَرُ من بَرْوَقَةٍ؛ لأنها تخضرُّ إذا رأت السحاب. وبَرِقَتِ الغنمُ بالكسر تَبْرَقُ بَرَقاً، إذا اشتكت بطونَها من أكل البَرْوَقِ. وبَرَّقَ عينيه تَبْريقاً: أوسعهما وأَحَدَّ النَّظرَ. والإِبْريقُ: واحد الأَباريقِ، فارسيٌّ معرّب. والإِبْريقُ أيضاً: السيف الشديد البَريقِ. والأَبْرَقُ: غِلَظٌ فيه حجارةٌ ورملٌ وطين مختلطة؛ وكذلك البَرْقاءُ. وجمع الأَبْرَقِ أَبارِقُ، وجمع البَرْقاءِ بَرْقاواتٌ. والبُرْقَةُ بالضم، مثل البَرْقاءِ، والجمع بِراقٌ. والأَبْرَقُ: الجَبَل الذي فيه لونان.

وكلُّ شيءٍ اجتمع فيه سوادٌ وبياضٌ فهو أَبْرَقُ. والبارِقُ: سحابٌ ذو بَرْقٍ. والسحابةُ بارِقَةٌ. والبارِقَةُ أيضاً: السيوفُ. والبَرَقُ: الحَمَلُ، فارسيّ معرّب؛ وجمعه بُرْقانٌ».

ولو نظرنا في معجم مقاييس اللغة لابن فارس لوجدناه يرد المادة إلى   أصول ، ويعني بالأصول ما وضِعت الكلمة عليه من المعاني .

والسؤال : هل المعجم التاريخي سيقتصر على الاستعمال ويرتب أوضاع الكلمة ، أم أنه سيجعل كل وضع سابقا لكل استعمال؟

وما يجري على الكلم من تغيرات صرفية لا يلزم منه سبق صيغة صيغةً في الوجود فـ" دوران المصدر وراء الفعل إعلالا وصحة ، فأعِلّ نحو : عدة بحذف الواو لحذفها من مضارعه ، وأعِلّ نحو : قيام بقلب الواو ياءً لإعلال فعله بالقلب في (قام) ، ولم يعلّ بالحذف ، نحو : وَجَل لصحّة (يَوْجَل) ، ولم يعلَّ بالقلب ، نحو : قِوام لصحة فعله قاوم . وهذا يدلُّ على أصالة الفعل للمصدر .

ويدفع هذا الدليل بأن هذا الدوران للمناسبة بينهما في اللفظ والمعنى لا لأصالة الفعل في الوجود التي هي محل النزاع بدليل وجود المتابعة المذكورة بين الأفعال أنفسها مثل حذف الواو من (يعد) وفيه مقتضى الحذف و(أعد) و(تعد) و(نعد) ..... وليس بمعقول أصالة فعل لآخر من نوع واحد ، على أنه قد صح المصدر مع إعلال فعله نحو : رمى رَمْيًا ، وأعِلّ مع تصحيح فعله نحو : اعشوشب اعشيشابًا " . (محمد الطنطاوي/تصريف الأسماء/ط الخامسة/1375هـ 1955م ص42-43)

ومعنى أصالة المصدر كونه بسيطًا في دلالته ، والمشتق مركّب أي فيه ما في المصدر من معنًى وزيادة ؛ إذْ «كل مصدر يؤخذ من أصل ويصاغ منه ينبغي أن يكون فيه ما في الأصل مع زيادة هي الغرض من الصوغ والاشتقاق كالباب من الساج والخاتم من الفضة ، وهكذا حال الفعل فيه معنى المصدر مع زيادة أحد الأزمنة التي هي الغرض من وضع الفعل ؛ لأنه كان يحصل في نحو قولك : لزيد ضرب مقصود نسبة الضرب إلى زيد ، لكنهم طلبوا بيان زمان الفعل على وجه أخصر ، فوضعوا الفعل الدالَّ بجوهر حرفه على المصدر وبوزنه على الزمان ، ومثل الفعل الأسماء المشتقة فإنها مصوغة للحدث والذات ، فتدلُّ بحروفها على المصدر ووزنها على الذات» . (محمد الطنطاوي/تصريف الأسماء/ط الخامسة/1375هـ 1955م ص42-43)

وما يذكره الصرفيون من أصالة بعض الحروف أو الأبنية لا يلزم منه سبق أحدهما في التاريخ فمثلا يقولون : أصل قال قوَل وأصل استقام استقْوَم فهذان الأصلان افتراضيان لا يلزم منهما أن العرب كانت تقول : قوَل واستقْوَم ثم في فترة تاريخية لاحقة صارت تقول : قال واستقام . كل ما في الأمر أن ما كان من هذا النحو افتراض افترضه الصرفيون ، ولم يكن له وجود في حقيقة الأمر ، فضلا عن كونه أصلا ؛ لأمور لا تخفى على دارس الصرف .

قال ابن جني : «اعلم أن أبا علي رحمه الله كان يذهب إلى أن هذه اللغة - أعني ما سبق منها -ثم لحق به ما بعده إنما وقع كل صدر منها في زمان واحد وإن كان تقدم شيء منها على صاحبه فليس بواجب أن يكون المتقدم على الفعل الاسم ولا أن يكون المتقدم على الحرف الفعل وإن كانت رتبة الاسم في النفس من حصة القوة والضعف أن يكون قبل الفعل والفعل قبل الحرف‏.‏ وإنما يعني القوم بقولهم‏:‏ إن الاسم أسبق من الفعل أنه أقوى في النفس وأسبق في الاعتقاد من الفعل لا في الزمان .

فأما الزمان فيجوز أن يكونوا عند التواضع قدموا الاسم قبل الفعل‏.‏ ويجوز أن يكونوا قدموا الفعل في الوضع قبل الاسم وكذلك الحرف‏ . ‏وذلك أنهم وزنوا حينئذ أحوالهم وعرفوا مصاير أمورهم فعلموا أنهم محتاجون إلى العبارات عن المعاني وأنها لا بد لها من الأسماء والأفعال والحروف فلا عليهم بأيها بدءوا أبالاسم أم بالفعل أم بالحرف لأنهم قد أوجبوا على أنفسهم أن يأتوا بهن جمع ؛ إذا المعاني لا تستغني عن واحد منهن‏.‏ هذا مذهب أبي علي و به كان يأخذ ويفتي‏.‏ وهذا يضيق الطريق على أبي إسحاق وأبي بكر في اختلافهما في رتبة الحاضر والمستقبل . وكان أبو الحسن يذهب إلى أن ما غير لكثرة استعماله إنما تصورته العرب قبل وضعه وعلمت أنه لا بد من كثرة استعمالها إياه فابتدءوا بتغييره علماً بأن لا بد من كثرته الداعية إلى تغييره». (ابن جني /الخصائص 2/30-31)

وكذا ما يقولونه من أصالة التذكير لا يعنون به تقدّم المذكر على المؤنث في الوضع بل يعنون به البساطة ,

*****************************

المعجم العربي مبني على منهجية قد تختلف عن منهجية معاجم اللغات الأخرى ؛ إذ مبناه على أوضاع المفردات ودلالاتها الوضعية من لغوية ، وشرعية ، وعرفية ، واصطلاحية ؛ ولا يتجاوز هذا إلا عرضًا ؛ فلا يعنى بالاستعمال ؛ إذ يدعه لعلوم اللغة الأخرى كالبلاغة التي تعنى بالمعاني على اختلافها ، وتربطها بالسياقات والمقامات ، والعلاقات والقرائن .

وهذا لا يعني أن المعجم العربي لا يلمّ بشيء من استعمالات الكلمة بل قد يرد فيه معان استعمالية .

كما أن المعجم العربي لا يعنى بالأبنية والأوزان المطردة القياسية ، إذ محلها الصرف ، وهذا لا يعني أن المعجم لا يحتوي شيئًا من هذا ، في حين يعنى بالأبنية غير المطردة ، والنوادر منها ، و ما جاء على خلاف القياس الصرفي .

صحيح أن المعجم أسِّست مداخله على مجرَّدات الكلم ، أي : الحروف ساكنة ، وهو أمر قصِد به مجرّد الترتيب ، وهذه المجرّدات (المداخل) نحنها كلم متنوِّع تدلّ أحيانًا على أصل (معنى) واحد أو على أصول (معانٍ) متنوِّعة أو مختلفة .

وهل يلزم من التجريد والزيادة السبق أو التأخر التاريخي ؟ لا يلزم من قولنا : "المجرّد أصل المزيد" أن المزيد متاخِّر في الوضع ؛ إذ قد يكون الأصل (المجرّد) غير مستعمل في العربية ، بل افتراضي ، مثل "ودَّع" و "ودَع" يراجع الخصائص « ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال‏.‏

وذلك نحو الماضي من‏:‏ يدر ويدع‏.‏

وكذلك قولهم ‏"‏ مكان مبقل ‏"‏ هذا هو القياس والأكثر في السماع باقل والأول مسموع أيضاً قال أبو دؤاد لابنه :

أعاشني بعدك واد مبقل        آكل من حوذانه وأنسل

وقد حكى أيضاً أبو زيد في كتاب حيلة ومحالة‏:‏ مكان مبقل‏.‏

ومما يقوى في القياس يضعف في الاستعمال مفعول عسى اسماً صريحاً نحو قولك‏:‏ عسى زيد قائماً أو قياماً ، هذا هو القياس غير أن السماع ورد بحظره والاقتصار على ترك استعمال الاسم ههنا وذلك قولهم‏:‏ عسى زيد أن يقوم و ‏﴿فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ‏ ﴾ .

وقد جاء عنهم شيء من الأول أنشدنا أبو علي‏:‏

أكثرت في العذل ملحاً دائماً            لا تعذلن إني عسيت صائما

ومنه المثل السائر‏:‏ ‏"‏ عسى الغوير أبؤساً ‏"‏‏.‏ ( ابن جني /الخصائص /تحقيق محمد علي النجار 1/97-98)

لا بأس على المعجمي أن يتتبع كلمة من الكلم ، فيبيِّن أنها وضِعت لمعنى كذا في فترة من الفترات ، ولمعنًى آخر في فترة أخرى ، مثل كلمة أدب التي دخلها التطور في مدلولها ؛ إذ كانت كلمة "أدب" في الجاهلية تعني: الدعوة إلى الطعام ، كما في قول طرفة بن العبد :

نحن في المشتاة ندعو الجفلى                   لا تـــــرى الآدب فـــــــينا ينتقـــــــــر

ومنه المأدبة للطعام.

ـ وفي العصر الإسلامي استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم،كلمة "أدب" بمعنى جديد: هو التهذيب والتربية .ففي الحديث الشريف "أدبني ربي فأحسن تأديبي" و في العصر الأموي تلبّست كلمة "أدب "معنى تعليميا يتصل بدراسة وتحصيل أطراف من العلوم المختلفة من تاريخ وسير و مغازٍ ، و فقه،وعلوم تتعلق بالقرآن الكريم ، والحديث الشريف وغيرها من العلوم ، ولعل هذا المعنى هو ما قصده ابن قتيبة بقوله " من أراد الأدب فليأخذ من كل علم بطرف" .. وفي العصر العباسي نجد طائفة المؤدبين وهي طائفة تعلم علومًا مختلفة وهذا رسّخ مفهومًا جديدًا لكلمة الأدب يشمل الاشتغال بصفوف المعرفة وألوانها خاصة علوم اللغة والشعر والبلاغة ، ثم تطور مدلول الكلمة لتدل على الكلام الجميل ا البليغ الذي يقصد به التأثير في العواطف القراء والسامعين ، ثم تطور ليدل على علم له أصوله ومناهجه بالإضافة إلى دلالته على الكلام الجميل البليغ .

*****************

من فوائد التاريخ للكلمة التفسير الصحيح للكلام بعد تنزيل الكلمات حسب استعمالها التاريخي ، وحسب ما استقرّ لها من أوضاع حسب الفترة الزمانية ، وحسب استعمال مستعملها .

فالمعجم العربي يختلف عن معاجم اللغات الأخرى التي تتطلب التجديد بالحذف والزيادة والتنقيح ؛ «فإذا كان التطوّر اللغوي ظاهرة بارزة تحتاج إلى الدراسة والاهتمام في اللغات الأوروبية التي لا يمضي عليها قرن حتّى تصبح في حاجة إلى معجم لغويٍّ جديد ، إذا صحّ ذلك في واقع هذه اللغات ، فهو لا يصحّ في واقع لغتنا ، وليس بذلك المكان من البروز والأهمّيّة».(محمد محمد حسين/مقالات في الأدب واللغة/مؤسسة الرسالة/ط أولى عام 1407هـ 1989م / ص73)

مثل ما يقرِّره الصرفيون من أصالة أحد البناءين اللذين فيهما قلب مكان كـ"أنى الشيء يأني ، وآن يئين" فآن مقلوب عن أنى ؛ لأنّ تصرفه قصر عن تصرف صاحبه ، ولم يساوه فيه ، فكان أوسعهما (أنى) تصرُّفًا أصلا " ينظر الخصائص 2/70 ومثل " تقرير أصالة "يئس" لـ "أيس"لأن المصدر "اليأس" ولأنه الأكثر استعمالا " ينظر الخصائص 2/70 وهذه الأصالة لا يلزم منها سبق الوجود .

إنني أريد أن أجمل توصيتي بـأن ننطلق انطلاقة مبنية على حوار ، وجلسات ولقاءات يكون فيها عصف ذهنيّ للخروج بتصوّر يتّفق عليه ، وتكون لها رؤية ورسالة ، وأهداف محدّدة ، ووفق خطة زمنية ، مع تحديد للمادّة التي يجب أن يحويها المعجم ، بعد تقرير حاجتنا لهذا المعجم ، وتلافي ما أثير من إشكالات علمية ومنهجية . كما علينا أن نفكِّر في إمكانية اقتراح البديل المناسب فيما لو رئي أن هذا المعجم حسب وجهة نظر من لا يراه ضرورة لغوية.

تم ، والحمد لله ربِّ العالمين ، وصلّى الله وسلّم على محمد وآله وصحبه .

 
Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
Joomla Templates by Joomlashack