تنويع مستوى تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

هذا المستوى يتجاوز ما يلتزمه مستوى التداول الذي يحرص على الالتزام بالنظام النحوي والصرفي بصورتهما النموذجية ، مع توخِّي كمال المعنى وتمامه ، ومستوى التعبير عنه ، وجمال اللفظ وإيقاعه ، أمّا هذا فقد يكتفي بالمعجم ، وألفاظ بسيطة الدلالة . وإن مما استقرّ في الحس أن هناك لغة تعبِّر عن دلالات مختلفة بدوالَّ بسيطة تختلط فيها اللغة الطبيعية بالدوالّ الأخرى (الإشارة ، والألفاظ ، المعجمية والحركات ، والرموز ....).

ويمكن التفكير بتقديم العربية للناطقين بغيرها في مستويين :

أولهما: مستوًى مبسَّط يرتبط بأغراض خاصة ، وحاجات محدودة ، ومقامات محصورة .

ثانيهما: مستوًى معقَّد يؤهَّل متقنه للدراسة بالعربية وتذوُّق الكلام العربيّ .

ومن المتوقَّع حين نطبِّق هذه الطريقة في تعليم العربية أن يكون لها أثر نفسيٌّ ؛ إذ يشعر المتعلِّم أنه أنجز شيئًا ما بخلاف ما إذا شعر أن أمامه شوطًا بعيدًا , ولا يسمع كلمة إطراء أو استحسان ، ولا يشعر بتحقيق إنجاز ما ، وكل ما يسمعه استيقاف ، وطلب إعادة ، وتصحيح ، مع عبارات جارحة ، واستهزاء ، وتصرفات قد تكون غير مقبولة لدى كثير من متعلمي اللغة .

وسوف يكون في الورقة تفصيل لما ذكِر .

**************************

لغة الإفهام أم البيان :

كل حديثنا بل معظمه عن تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها يدور حول الكتاب ، والمنهج ، والمعلِّم ، والوسائل ، فهل نحن حصرنا تعليم اللغة في الكتاب ، وما يتصل به من منهج وموضوعات وترتيب ، وغير ذلك .

إن اللغة في مجالها الرحب لا تنحصر في لغة الكتاب ، لو تصفَّحنا بعض المقالات التي تنشر في تعليم اللغة العربية لوجدناها تعبِّر عن هذا الاتِّجاه ، ولينظر مثلا العددان : الأول والثاني من مجلة معهد اللغة العربية من جامعة أم القرى .

لو نطرنا في أهداف المؤسّسات المعنية بتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها لم نجد فيها ما يستبعد ما نتحدّث أو ندعو إليه من تنوّع المستويات ، فمعهد اللغة العربية قي الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة من أهدافه : "

1-   تزويد الدارسين بالكفايات اللغوية اللازمة التي تمكنهم من التحدث باللغة العربية والتواصل بها مع الآخرين .

2-   إعداد طلاب المنح المقبولين في المعهد إعداد لغوياً يتيح للمتميزين منهم الالتحاق بكليات الجامعة .

3-  الإسهام في نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية بتعليمها الراغبين من داخل المملكة وخارجها .

4-  إعداد معلمين متخصصين ومؤهلين لغوياً وتربوياً لتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها .

5-  تدريب معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها ( على رأس العمل) وتطوير خبراتهم النظرية والعملية والنهوض بمستواهم .

6-  إعداد وتنفيذ برامج الدراسات العليا لإعداد أعضاء هيئة التدريس المتخصصين في علم اللغة التطبيقي ، وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها لتلبية احتياجات البلدان والأقليات الإسلامية في هذا المجال .

7-  إعداد وتطوير مناهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ووسائلها التعليمية ، وأساليب تعلمها وتعليمها، وإجراء وتشجيع البحوث والدراسات المتخصصة في هذا المجال .

8-   تنظيم الندوات والمؤتمرات والحلقات ذات الصلة بتخصصات وبرامج المعهد . " (موقع الجامعة الإليكتروني) .

وجاء في أهداف معهد اللغة العربية في جامعة أم القرى : "

  1. 1.تعليم اللغة العربية وآدابها لغير الناطقين بها .
  2. 2.تأهيل وتدريب المعلمين المتخصصين في تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها .
  3. 3.إعداد البحوث الميدانية لتطوير مناهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها .
  4. 4.تبادل الخبرات مع المؤسسات المتخصصة .
  5. 5.التعاون مع الهيئات والمؤسسات الإسلامية في مجال تعليم اللغة العربية ، ونشر الدعوة الإسلامية ، ومساعدة أبناء الأقليات الإسلامية في هذا المجال". (مجلة معهد اللغة العربية العدد الأول ص331)

غير أن الواقع ، والممارسة العملية لهذه المعاهد ونظائرها من المؤسّسات المعنية بتعليم العربية للناطقين بغيرها يجعلانها تركِّز على تهيئة الطالب لإكمال تعليمه الجامعي باللغة العربية ، و لا تكتفي بتعليمه مجرد الإفهام والتفاهم ، وتحقيق الحدِّ الأدنى من مقاصد التواصل .

هل عندنا مشكلة في تعليم اللغة العربية وفي تحديد المستوى؟

يأتي الطبيب غير العربي للبلاد العربية ، ولديه مشكلة التواصل مع مرضاه ؛ فقد يكون من العسير أن تجبر الناس على تعلم لغات الأطباء مع اختلافها ، وقد يكون من الصعب أيضًا إجبار الناس على الحديث باللغة الإنجليزية ، والحل الأيسر هو أن يتنازل الطبيب إلى لغة مرضاه ، وهي العربية ، فيتعلَّم منها ما يمكِّنه من التواصل معهم ، وإفهامهم ما يريد بشيءٍ من كلامهم .

نحن لا نقول : إنه يتعيّن عليه أن يتقن اللغة العربية بقواعدها النحوية والصرفية ، ورسمها الإملائي ، وخطها الكتابي ، مع إتقان أساليبها البلاغية ، وفنونها البيانية ، ومحسناتها اللفظية والمعنوية ، بل علينا أن نتواضع في الطلب ، فنطلب منه الحدَّ الأدنى من لغة التفاهم والتواصل بالصفات التي أوردناها في هذا العمل .

كما يأتينا العامل الذي يعيش مع الأسرة العربية ، مثل عَمَلة المنازل والخدم والسائقين والمربين ومن في حكمهم ، وهؤلاء يعيشون في بيئة عربية صرفة 100% فكيف يتعايش هؤلاء مع البيئة الجديدة ؟ وكيف يتفاهمون ويتواصلون مع أفرادها؟

كما يأتينا العامل الذي يحتِّم عليه عمله التواصل مع الجمهور ، وملاقاة العربي ، فكيف يتواصل هذا العامل مع جمهوره الذي لا يعرف لغته ، كما أنّ كثيرًا منهم قد لا يعرف لغة ثالثة وسيطة كالإنجليزية أو غيرها؟

أيتعيَّن على هؤلاء إتقان العربية كما يتقنها أبناؤها في أصواتها وصرفها ومعجمها وتراكيبها وما يتصل بالكلام من سياقات ومقامات ومكونات للمعنى ومؤسِّسات لجماله ، أم أن لهم مع العربية شأنًا آخر؟

الجواب : إن هذا العامل بحاجة إلى تعلُّم العربية بالحدِّ الأدنى من مستواها التواصلي الذي يرفع الحواجز بينه وبين جمهوره ، ويحقِّق من خلاله الإفهام والإبانة عمّا يريده بأبسط عبارة و أخصرها ، ويؤدِّي إلى الإفهام والتفاهم بالاستعانة بمكملات البيان اللغوي من مقام ، وإشارة وصورة ورمز ، وحركة جسد بالرأس أو اليد ، أو الكتابة ، مع استعمال إشــارات ورموز التفاهم البشــري المشــترك الذي لا يميز بين لغة ولغة ، ومتكلِّم و متكلِّم .

ما يجري في برامج تعليم اللغة العربية يعتمد مستوًى واحدًا من التعليم ، ويقصد إلى تأهيل الطالب ليستطيع مواصلة تعليمه الجامعي باللغة العربية . في حين أن برامج تعليم اللغات الأجنبية تعلّم اللغة بمستويات مختلفة ، ولمقاصد مختلفة ، كما تعلِّم اللغة حسب الوظائف .

لدينا في جامعة أم القرى معهد لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ، وهو معهد يلتزم طريقة واحدة تهيِّئ الدارس لإكمال التعليم الجامعي بالعربية ، ولا تهتم بتلبية مطالب الدارسين المتنوعة حسب الأغراض والوظائف الاجتماعية التي يقصد إليها مستعمل اللغة ؛ حتّى إن الطالب ليخرج ليتبضّع من السوق ، ويقضي حاجاته اليومية ويفاجئه من يقول له : لماذا تتكلّم بلغة الكتاب ، ولماذا طلاب الجامعة من غير العرب كلهم يتكلّمون بلغة الكتاب . مما يصيب الطالب بالإحباط ، ويشعره أنه يدرس لغة غير اللغة المرغوب فيها .

إن تأسيس مستوًى تعليمي للغة العربية لغير الناطقين بها يدعونا إلى توظيف بعض مزايا اللغة وترخصاتها في صنع لغة تفاهم تواصل يتم بها التعبير عن الحاجات وإفهام المخاطب بما يريد ، مبناها الاختصار، مثل الإضافة لأدنى سبب، كلام تليفون .

ومكوِّنات هذا المستوى هي :

  1. 1) ألفاظ ، وأصوات من اللغة الطبيعية .
  2. 2) الرموز .
  3. 3) الإشارات والحركات .
  4. 4) الصور والرموز والمختصرات .
  5. 5) تنوع الرسم الكتابي ما بين عربي ولاتيني ورسوم أخرى .
  6. 6) المشتركات اللغوية العالمية .

سماته :           

  1. 1.اعتماده على إمكانات متعلّم اللغة الذاتية .
  2. 2.عدم الالتفات إلى مقاييس الصحة والخطأ فضلا عن مقاييس الجودة والفصاحة .
  3. 3.عدم الالتزام بالنظام النحوي والصرفي .
  4. 4.التركيز على الألفاظ المفردة .
  5. 5.التوسع في الترخصات في الأبنية والتراكيب .
  6. 6.الخلط بين اللغة الطبيعية والرموز الدلالية الأخرى ، مثل الإشارة والحركات والرموز الدولية .
  7. 7.الاختصار وتوفير جهد المتكلِّم .

فلغته إذن تعتمد على المعجم المبسَّط بالدرجة الأولى .

هذا المستوى يتجاوز ما يلتزمه المستوى التداولي الذي يحرص على الالتزام بالنظام النحوي والصرفي ، وأداء المعاني ، والتفاوت البلاغي في أدائها ، أمّا هذا فقد يكتفي بالمعجم وألفاظه بسيطة الدلالة .

هناك لغة تمزج بين دلالات مختلفة (الإشارة وغيرها ....) قال الجاحظ مبيناً لها، وموضحاً لفوائدها:

 

وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء، لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نِصبة. والنِصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأَصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات.

ولكل واحدة من هذه الخمسة صورة بائنة عن صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، ثم عن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامها، وعن طبقاتها في السارّ والضارّ، وعما يكون منها لغواً بهرجاً، ساقطاً مُطَّرَحاً([1][12]).

"أغفلت معظم دراساتنا اللغوية جوانب استخدام اللغة وظيفيًا ، بمعنى استخدامها في مسار الحياة الواقعية ، استخدامها في إبداء الآراء والدفاع عنها ، وفي عمليات التبادل والتفاوض والتراسل والتهاتف ، وهلم جرًّا ، يتضح ذلك بصورة سافرة في ضعف مهارات الاتصال لدى الغالبية منا ، كتابة وقراءة وشفاهة واستماعا ، وليس هذا _ حتما_ نتيجة قصور في العربية ؛ فهي تمتلك العديد من الخصائص والأدوات التي تؤهلها لتكون لغة حوار فعّالة ، إننا ما زلنا أسرى اللغة المكتوبة غير ملمين بالعلاقات اللغوية والتداولية والمقامية ، التي تربط بين أدائنا الشفهي وأدائنا الكتابي ، ويتجلّى ذلك _ بوضوح _ في أساليب حوارنا وتفاوضنا" . الثقافة وعصر المعلومات ص239 التي تأخذ سمتًا واحدًا ، وتظهر بصورة واحدة قد يخالطها شيء من التقعّر والتكلّف .

فما المقصود بالتواصل في حدّه الأدنى؟

نقصد به ما يؤدِّي غرضًا آنيًا محدودًا بالزمان والمكان وأطراف الخطاب ، ولا يقبل التدوين لعدم الحاجة إلى تدوينه ، وعدم قابليته للتدوين أحيانًا ، ولأنه محدود في زمانه ومكانه وأطرافه ، وغرضه . وهو معظم كلام البشر ؛ بحيث لو قلنا : إن 99% من الكلام وما يدوّن من لغة وحديث وحوار هو من هذا المستوى ، ولا يرقى إلى المستوى التداولي .

وهو بحكم آنيته يتطلب شيئًا من اليسر والسهولة والاقتصاد في الكم والجهد العضلي ، والكلم والأصوات وطبيعتها ، ولا يلتزم بالقواعد النحوية والصرفية بقدر ما يلتزمه من نجاح في الأداء والفائدة .

وكل ما يجري على ألسنة الناس من حديث المجالس والفكاهة والطرفة بل لغة المدرس في فصله داخل في هذا المستوى .

وهو يمثِّل كلام الناس اللغوي وكلامهم الفطري على سجيّتهم دون تكلف ؛ فالمتكلِّم يهمه أن يتواصل مع الآخرين ، وأن يفهم ما يريد باقتصاد وجهد قليل عليه وعلى المتلقِّي ، و بأخصر طريق ، وأيسر سبيل ، هذا المستوى يراعي المقام ، ولا يتكلف كالمستوى التداولي .

وهذا المستوى الذي نتحدّث عنه في الغالب شفاهي ، وغير قابل للتدوين الكتابي ، وهو مرتبط بمقام يفرض أحكامه وإرادته على المتكلم .

وأما التداول فالمقصود به أن يكون التعبير عن الفكرة والمعنى قابلا للتداول والتنقل بين الناس في المجتمع الواحد أو في مجتمعات مختلفة في زمن واحد أو في أزمان مختلفة أو متعاقبة ، مثل الكتابات الأدبية ، أو الشعر ، أو الخطابة ، أو الكتابات العلمية من تاريخية وجغرافية وأدبية وفكرية ؛ فالتداول يعني تجاوز التاريخ : الزمن ، والجغرافيا : المكان ، والبيئة البشرية ، فلا يعترف الكلام بالحدود ، ولا يتوقّف عند مناراتها ، ولا تغتاله خصوصية المقام ، ولا تحاصره الحاجة الخاصة التي دعت إليه . فالشعر الجاهلي نموذج لهذا التداول ، والقرآن أعلى منه وأكمل وأصدق تمثيلا للتداول ، والحديث النبوي والآثار ؛ إذ لا تقف عند مقامات محدودة ، ولا على أغراض موقوتة . والكتاب العلمي في التاريخ والجغرافيا واللغة والأدب والكيمياء ، وسائر فنون العلم ، وكتب الآداب ، وفنون الكلام الجميل من شعر ونثر وخطابة وكتابة ، كلها من المستوى التداولي القادر على تجاوز حدود الزمان والمكان والمقام والبيئة والموقف .

إن المستوى التداولي لا يقيّده ما يقتضيه المقام من اقتصاد الكلام ، وحفظ وقت المتلقي ؛ فالمرسل في المستوى التواصلي لا بدَّ له من مراعاة المرسل إليه المتلقِّي ، فإذا كان المتلقّي غير عربي فلا بدَّ من مراعاة حاله .

إن المستوى التداولي هو طريق خلود الكلام أو النصِّ ، فإذا أردنا لكلامنا الخلود وتجاوز حدود الزمان والمكان والمقام فلا بدَّ لكلامنا من هذا المستوى ، أمّا إذا كنا لا نقصد إلا إلى مجرَّد الإفهام والتواصل فلسنا بحاجة لجهد لا داعي له .

ولسائلٍ أن يسأل عن الوسائل التي يمكن أن يقدَّم بها هذا المستوى ، فيقال :

1-   التسجيلات الصوتية .

2-   الوسائل التقليدية .

3-   الكتاب .

4-   الحاسوب .

5-   المواقع الإليكترونية .

6-   النشرات الخاصة ، وكتيِّبات الجيب .

7-   الدورات القصيرة .

8-   الفصول الطبيعية ، والافتراضية .

9-   المواقف الطبيعية في الحياة .

إنّ أيَّ لغة ذات مستويات مختلفة ، ما بين لغة كتاب ، ولغة خطابٍ وحوارٍ ، ولغة أدبيّة ، ولغة علميّة ، ولغات لفئاتٍ مختلفة في قدراتها البيانية ، ومكانتها العلمية أو الاجتماعية ، هذا شيءٌ لا تخرج عنه العربية ، وبعض هذه المستويات ينحلُّ من كثيرٍ من ضوابط الفصحى وقواعدها ، ويتسامح فيه خاصَّةً مقام لغة الخطاب اليوميّ ، والحياة اليوميّة ، وأمّا الأمثال فإنّ أمثال العربية الفصيحة سمتها الخروج عن القواعد ، حتّى إذا أعياهم تركيب قالوا : لغةُ أمثال ، أو هذا مثل .

  وهذا كان واضحاً عند مؤلّفي كتب الأمثال من علماء العربية ، نجد ذلك عند أبي بكر بن الأنباريّ ( ت 328هـ ) في كتابه " الزاهر في معاني كلمات النّاس " وقد سبقه إلى ذلك صاحب كتاب " الفاخر " سلمة بن عاصم ( ت 291هـ ) وكان أبو الفضل الميدانيّ ( ت518هـ ) يختم كُلَّ حرفٍ من كتابه بأمثال المولّدين ، وفي غير كتب الأمثال نجد ن أبا حيّان التوحيديّ (ت414هـ ) يجمع في كتابه " البصائر والذخائر " شيئاً من أمثال العامة .

((وإذا كان الأمر كما تقدم، فإن تعليم اللغة الأجنبية ينبغي أن يعتمد المقاربة التواصلية ومنهج الإغماس. والمقصود بالمقاربة التواصلية إيلاء الأسبقية أثناء تعليم اللغة الأجنبية للوظيفة التواصلية على القواعد النحوية. والمقصود بمنهج الإغماس، وضع المتعلم في محيط لغوي تعليمي يماثل ـ قدر الإمكان ـ المحيط اللغوي الطبيعي للغة المتعلَّمة([10]).)) من مقالة بعنوان "تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها من منظور وظيفي" لعز الدين البوشيخي / موقع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم

ولسائل أن يسأل عمّن يحتاج إلى مثل هذا المستوى ، ليكون من جوابه أن هناك فئات تحتاج إليه ، أو تكتفي به لتحقيق الحدِّ الأدنى من التواصل والإفهام ؛ إذ يكفيها إلى جانب لغتها الأصلية استعمال قليل من العربية بالصفات التي أوردناها ، ومن هذه الفئات :

  1. 1.موظفو الطيران في مكاتب الخدمات ، والمطارات التي يرتادها العرب .
  2. 2.مضيفو ومضيفات الطائرات التي تقصد وجهة عربية .
  3. 3.موظفو الفنادق والمطاعم ، من موظفي استقبال وندلة ، ومحاسبين ، وخدم .
  4. 4.موظفو البنوك .
  5. 5.الأدلاء السياحيون .
  6. 6.العمالة التي تعمل لدى العرب .
  7. 7.الأطباء الذين يعالجون العرب .
  8. 8.بائعو المتاجر الذين يتعاملون مع فئات عربية .
  9. 9.السائح في البلاد العربية .
  10. 10.الحاج والمعتمر .
  11. 11.العربي إذا اضطر لهذا المستوى مع غير العربي .

نموذج من مستوى سهل في التواصل والتخاطب والإفهام :

من المعروف أن مكة يقصدها حجّاج ومعتمرون من العالم الإسلامي يتكلّمون لغات مختلفة ، وليس في هؤلاء من يحسن العربية أو يتمكّن من توظيف العربية في الإفهام والاتصال إلا القليل أو النادر ، فكيف يتعامل معهم من يقدِّمون لهم خدمات الحج والعمرة ، أو الحاجات التي يحتاجون إليها من بيع وشراء ، وسكن وطعام ، وخدمات أخرى؟

أنت تأتي إلى صاحب المتجر الصغير حول المسجد الحرام في مكة ، أو بجوار المسجد النبوي في المدينة ، تراه لا يعيا بالتفاهم مع الفارسي في البيع والشراء ، وإمكانية خفض السعر ، ثمّ تراه يتفاهم مع التركي ، ثم مع الهندي والباكستاني ، ثم مع الماليزي والأندونيسي والفيلبيني ، ثم مع الإفريقي _ وهم أي : الأفارقة _ ذوو لغات شتّى ، فتتحيَّر كيف لمثل هذا التاجر أو العامل البسيط الذي لا يكاد يعرف القراءة والكتابة ، بل إن كثيرًا منهم أتى من أرياف بعيدة ، وهو حديث عهد بمكة ، وقد يكون آتيًا من جبال اليمن ، أو صحارى الجزيرة ، أو من بلاد أخرى غير العربية .

لو كان عند هؤلاء عقدة ألاّ يتكلّموا إلا بكلام صحيح سليم تتحقق فيه القيم التداولية لما استطاعوا أن يتواصلوا مع هذه الأجناس ؛ إنهم في حقيقة أمرهم لا يعرفون من تلك اللغات إلا ما ينفِّق سلعتهم ويعينهم على أداء مهمّتهم ، وتسويق بضاعتهم من أرقام ، وألفاظ معدودة ، يؤدِّنها دون التزام بقواعد البنية والتراكيب ، بل هي أشبه بكلمات معجمية يرصّونها إلى جانب بعض ، دون التزام بقواعد اللغة والبنية والتركيب ، والأمور البلاغية .

ألا يمكن للعربية أن تفكِّر بتقديم برامج تؤدِّي هذا الغرض ، وبهذا المستوى أو أفضل قليلا .

هل لدى العربية كتيبات تخدم السائح غير العربي ، أو الحاج والمعتمر بلغة هي من مستوًى سهل يسير يكتفي بتحقيق الحدِّ الأدنى للتواصل والإفهام ، من غير تطلّع لتحقيق مستوًى تداولي راقٍ .

هل كان لهذا النمط فيما مضى من عصور العربية وجود؟

الجواب : إن هناك من يتصوّر صورة هي أقرب للخيال ؛ إذ يتصوَّر أن اللغة الفصيحة أو الفصحى هي السائدة في الحياة اليومية في العواصم والأقاليم الإسلامية ، نقرأ في أحسن التقاسيم للمقدسي وصفًا للغات الأقاليم والمدن الإسلامية في القرن الرابع ، فيظن البعض أنه يصف لغة الشارع ولغة الحياة اليومية ، والأمر ليس كذلك ؛ إذ كان المقدسي يصف لغات أهل العلم والبيئات العلمية ومن يتّصل بها ، وكذلك الحال حين يتحدّث مصنِّفو لحن العوامّ ولحن الخاصّة ؛ إذ لا يقصد منه لحن أهل الشارع ولغة الحياة اليومية التي يدير بها الناس أمور حياتهم ، بل المراد لغة أهل العلم والمنتسبين إليه ، والمتّصلين به بسبب من الأسباب .

لو ألقينا نظرة على ما كتبه يوهان فك في كتابه " العربية : دراسة في اللغة واللهجات والأساليب" لوجدناه يصف أنماطًا من اللغات واللهجات ، يهمّنا منها وصفه لـ"اللغة الدارجة التي كانت تتفاهم بها الطبقات الوسطى والدنيا من سكان المدن ، منذ نشوئها في عصر الفتوحات الإسلامية الأولى ، تعدّ عربية مولّدة في نظر التاريخ اللغويّ" ص109 وقد ذكر أنّها تتميَّز عمّا يسمّى العربية الفصحى "بطائفة من السمات والخصائص المشتركة في المادة الصوتية ، وصوغ القوالب ، وتركيب الجمل ، والقواعد النحوية ، والثروة اللفظية ، وطرائق التعبير ، فمادتها الصوتية تشير إلى طابع معيَّن من التيسير والتسهيل" ص111 ولهذه اللغة الدارجة سمة أخرى هي "أنها كانت في المناطق الآرامية ذات جرس يختلف عنها في فارس ، وفي مصر ، وغيرها من شمالي أفريقية" ص112 وفي هذه اللغة ألفاظ غير عربية تسللت إليها من اللغات الأخرى بل هناك عبارات من تلك اللغات . ينظر العربية ص190

وهذا الاختلاف لا يخرجها عن كونها عربيّة ، وإن لم تكن النموذج الرفيع . بل إنني أزعم أن هناك لغة أدنى درجة من هذه يتواصل بها المجتمع تتحقّق فيها السمات التي أوردناها فيما تقدّم .

هذا ما أمكن بيانه في هذا الموضوع ، وما يمكن أن يوصى به بيِّن ظاهر .

تم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلّى الله وسلّم على نبينا محمد وآله وصحبه الكرام .

ملحـــــــــوظـــــــة :

مراجع الورقة مثبتة في أماكنها من هذه الورقة .

 




 

التصنيف الفرعي: 
شارك: