المرقشـان شاعر واحد - د. عبد الحق حمادي الهواس

ذهب الباحثون القدامى والمعاصرون إلى أن هناك شاعرين في العصر الجاهلي سميا بالمرقشين ونحن نحاول في هذا البحث أن نكشف أنهما شاعر واحد

وسنتناول ما قيل عن كل شاعر على حدة.
1. المرقِّش الأكبر :

على الرغم من تضارب الروايات في حياة المرقش الأكبر إلاّ أن الباحث فيها يجد خطوطاً عريضةً يُطمأن لها، وأخرى فرعية واضحة الزيف والافتعال

صنعتها أفواه الرواة الميّالين إلى القصص الشعبي إذ يجنح بها الخيال نحو كل ما هو غريب وطريف ومشوّق للمولعين بمثل هذا القصص الشعبي الذي يصلح

للتسلية والترف الفكري الهارب من حقائق الحياة ونمطيتها .

ويشير ابن سلام، وفق رأيه، إلى الشعراء الأوائل بقوله : "وكان شعراء الجاهلية في ربيعة : أولهم المهلهل والمرقشان، وسعد بن مالك، وطرفة بن

العبد، وعمرو بن قميئة، والحارث بن حلزة والمتلمس، والأعشى، والمسيب بن علس([1])."

وقد ترجم له ابن قتيبة في الشعر والشعراء، فقال : "هو ربيعة بن سعد بن مالك، ويقال بل هو عمرو بن سعد بن مالك بن ضبعة بن قيس بن ثعلبة وسُمّي

المرقش بقوله :

الدارُ قفرٌ والرسومُ كما * رقَّش في ظهر الأديم قَلَمْ([2])"

وينقل ابن رشيق في العمدة رأي ابن سلام في قدم ربيعة في الشعر، ثم يقول:"ومنهم المرقشان ؛ الأكبر منهما عم الأصغر، والأصغر عم طرفة بن العبد،

واسم الأكبر عوف بن سعد، وعمرو بن قميئة ابن أخيه، ويقال : إنه أخوه، واسم الأصغر عمرو بن حَرْملة، وقيل : ربيعة بن سفيان([3]) ."

وقد تقصت محققة ديوانه كارين صادر، فوجدت له أكثر من اسم، فهو عمرو بن سعد، أو عوف بن سعد، أو ربيعة بن سعد، أو ربيعة بن حرملة، أو حرملة بن

سعد، أو عمرو بن حرملة، فضلاً عن ما اشتهر به مرقّش كما رجحه بلاشير، ثم انتهت إلى رأي وهو : "عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن

ثعلبة البكري الوائلي، وهذا الرأي يسعفه قول كل من ابن الكلبي (المتوفى 204هـ) والآمدي (المتوفى 371هـ) وابن حزم الأندلسي (المتوفى

456هـ) وترجحه الأسباب التالية :

- إن عوفاً هو اسم عمّه، ووالد حبيبته أسماء الملقب أيضاً بالبرك …
- وإن ربيعة هو أخ للمرقش، ولم يحقق في حياته ما يجعله حاضراً أمامنا كشخصية متميزة …
- وأمّا حرملة : فهو أخو المرقش، وقد ناداه وأنس ليأخذا بثأره من الغفلي.([4])"

وفي حياة المرقش خيال واسع جعل منها قصة أسطورية، أو خرافية ويبدو أن حبه لأسماء بنت عمه قد فسح للرواة مجالاً لا حدود له في نسج خيوطها المأساوية كونه لم يوفق بالاقتران بها .

ولهذا كان، في عرف الناقلين للتراث، أحد عشاق العرب المشهورين ويروون قصة حبه لأسماء أن والده أرسله وأخاه حرملة إلى الحيرة لتعلّم الكتابة على يد

مسيحي هناك لتكون لهما مكانة مرموقة لدى قومهما، وكان قبل سفره عشق ابنة عمه أسماء فطلبها من أبيها، فرفض إعطاءه لصغر سنه، وأنه لم يعرف الشدة

بعد، فشد المرقش رحاله إلى ملك من الملوك، فكان عنده زماناً ومدحه فأجازه .

غير أن سنة شديدة أصابت عوفاً، فأتاه رجل من مراد أحد بني غُطَيْف فأرغبه في المال، فزوّجه أسماء على مئة من الإبل، ثم تنحى عن بني سعد بن مالك،

وحين رجع المرقش، ارتأى أخوته ألا يخبروه خوفاً عليه، فذبحوا كبشاً وأكلوا لحمه، ودفنوا عظامه في ملحفة، ثم قبروها .

وتمضي القصة بأسلوب درامي إلى أن المرقش حين علم أدمن زيارة القبر والبكاء عليه، والنوم عنده حتى سمع يوماً صبيةً يلعبون فاختصموا في كعب فذكر

صاحبه أنه حازه من الكبش الذي ذبح لإيهام المرقش، فعرف المرقش التفاصيل من الغلام، وشد رحاله، ومعه خادمته وخادمه إلى ديار أسماء، فنزلوا كهفاً

بأسفل نجران، وهي أرض مراد، وكان المرقش لشدة معاناته قد مرض مرضاً شديداً، فكان الخادم والخادمة تحملانه . ويلتقي المرقش راعي أسماء ويطلب

منه أن يضع خاتمه في اللبن الذي يُحمل لها كل مساء، فتعرف أسماء أن حبيبها في كهف خبّان، أو كهف جبار، فتطلب من زوجها أن يذهبا إليه، فلقياه واحتملاه

إلى أهلهما، فمات عند أسماء، ودفن في أرض مراد، وكان آخر ما قاله قصيدته :

سرى ليلاً خيالٌ من سليمى * فأرقني وأصحابي هجودُ

ومما تذكره القصة أن الغفليّ، وكانت معه وليدة المرقش قد تآمر على حياته بعد أن ملّ منه، فسمعه يقول للوليدة : اتركيه فقد هلك سقماً، وهلكنا معه ضرّاً وجوعاً، وكان المرقش يكتب، فكتب على مؤخرة الرحل :

يا راكباً إما عرضتَ فبلّغنْ * أنس بن عمروٍ حيث كان وحرملا
لله درّكما ودرُّ أبيكما * إن أفلتَ الغُفليُّ حتى يُقْتلا
من مبلغُ الفتيان أنَّ مرقشاً * أضحى على الأصحاب عبئاً مثقّلا
ذهب السباع بأنفه فتركنه * يَنْهَسْنَ منه في القفار مجدَّلا
وكأنما ترِدُ السباع بشلوه * إذ غاب جمع بني ضبيعة مَنْهلا

وتضيف القصة أن الخادم العسيف قد رجع إلى أهله، فأخبرهم بموته فقرؤوا الأبيات فأخذوه وضربوه، فأقرَّ بمكانه، فذهبوا إليه، وقد أكلت السباع أنفه([5]) .

وواضح التلفيق القصصي في القصة، وعنصر التشويق الخرافي الغريب، كما يلاحظ أنها تلتقي مع قصة المهلهل وعبديه، وكانت الأبيات الشعرية تماثل ما قيل في تلك القصة مما يجعلها واضحة التلفيق والوضع، وقد يكون مرقش قد أحب أسماء وهام فيها غير أن الأعراف الجاهلية وقفت في وجه زواجهما لانكشاف حبهما، فجاء الرواة وجعلوا منها قصة خرافية .

ومما يروى عنه أنه اتصل بالحارث أبي شمّر الغساني سنة 524م ونادمه ومدحه، وأن الحارث اتخذه كاتباً له ومما أوصاه في ذلك قوله : "إذا نزع بك الكلام إلى ابتداء معنى غير ما أنت فيه، فصل بينه، وبين ما تبتغيه من الألفاظ فإنك إن مذقت ألفاظك في غير ما يحسن أن تمذق به، نفرت القلوب عن وعيها وملتها الأسماع، واستثقلتها الرواة([6])." وتلك من وصايا كتاب العصر العباسي، ولا يمكن أن تكون في الربع الأول من القرن السادس الميلادي، مما يجعلها محط شك ؛ قد يكون سبب تلفيقها هو إيجاد شخصية مقابلة لشخصية عدي بن زيد عند الفرس والمناذرة .

ويعلق الدكتور جواد علي على الاختلاف في اسمه ونسبه، فيقول : "ويظهر من نسب المرقش الأكبر وهو (ربيعة بن سعد بن مالك) ويقال : بل هو عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، أنه كان ابناً لسعد بن مالك … وإذا ذهبنا مذهب من يقول : إن المرقش الأصغر كان أخاً للمرقش الأكبر فيكون بذلك ابناً من أبناء سعد بن مالك، وأما إذا اخذنا برواية من يذكر أنه كان ابن أخي المرقش الأكبر، فيكون بذلك ابناً من أبناء سعد بن مالك، وأما إذا أخذنا برواية من يذكر أنه كان ابن أخي المرقش الأكبر، وأنه عمرو بن حرملة، أو ربيعة بن سفيان، فيكون ابن ابن سعد بن مالك، أي حفيده ويكون المرقش

الأكبر عمه إذن([7])."

ويقول الدكتور مصطفى عبد اللطيف : "ولو حاولنا أن نعرف شيئاً عن حقيقة حب المرقش الأكبر من شعره، فلن نجد غير إشارة واحدة واضحة ذلك أن الشاعر يشير إلى أنه لجأ في فترة من حياته إلى الشام فاراً من المنذر، وأن أهله كانوا معه :

أبلغا المنذر المنقِّب عني * غير مستعتبٍ ولا مستعينِ
لات هنَّا وليتني طرف الزّج وأهلي بالشَّام ذات القرونِ

وفي قصيدة أخرى يقول الشاعر إن حبيبته أسماء تركته بالشام وذهبت إلى اليمن مجاورة أهلها من حمير، أو مراد :

إن تكوني تركت ربعك بالشام وجاورت حميراً ومرادا

وهذه الفرقة غير معللة في شعر المرقش، ولا محددة، غير أنْ من غير المستبعد أن تكون المصاعب السياسية هي التي فرّقت بيت الحيين، واضطرت الشاعر إلى البقاء في الشام بعد رحيل حبيبته عنها([8])."

ومما يذكر عنه أن المهلهل أسره، وأطلق سراحه، وأن المهلهل قد مات أسيراً عند والد حبيبته أسماء([9]) .

شعره :

يتسم شعر مرقش بميزتين، الأولى : هي قلة هذا الشعر، والثانية هي قصر أبيات قصائده، وميله للمقطعات .

وقد ورد في ديوانه قصيدتان طويلتان قياساً إلى بقية شعره، وهي :

1. مرثيته لعمه ثعلبة بن عوف بن مالك، ومطلعها ([10]):

هل بالديار أن تجيب صَمَمْ * لو كان رسمٌ ناطقاً كلَّمْ

وهي أطول قصيدة له، وقد بلغت ستة وثلاثين بيتاً .

2. والثانية هي قوله([11]) :

أمن آلِ أسماءَ الطلولُ الدوارس * يخطّطُ فيها الطَّيرُ قفرٌ بسابسُ

وقد بلغت عشرين بيتاً .

وما دون ذلك فهي دون العشرين بيتاً، وصلت واحدة منها إلى سبعة عشر بيتاً وهو قوله :

ألا بان جيراني ولستُ بعائفِ * أدانٍ بهم صرفُ النوى أمْ مُخالفي

ولم تصل أبياته الأخرى إلى خمسة عشر بيتاً.

وقد نظر الأقدمون إلى قدم المرقش بقول لبيد بن ربيعة العامري :

والشاعرون الناطقون أراهم * سلكوا طريق مرقِّش ومهلهلٍ

ونظروا إليه من زاوية أخرى، وهي ما أصاب بعض شعره من خلل في الوزن واضطراب، فعدوه من بدايات الشعر العربي، وأن هذا الخلل من مخلفات مرحلة

ما قبل النضج، واستواء الوزن الشعري، ففي قصيدته التي يقول فيها :

هل بالديار أنْ تجيب صَمَمْ * لو كان رسمٌ ناطقاً كَلَّمْ

"فهي من السريع، وقد خرجت شطور أبياتها على هذا الوزن، كالشطر الثاني من هذا البيت :

ما ذنبنا في أنْ غزا ملكٌ * من آل جفنة حازمٌ مرغمْ

فإنه من الكامل([12]) ." ويعلق الدكتور جواد علي على هذه الظاهرة بقوله : "وتستحق هذه وأمثالها أن تكون موضع دراسة خاصة، لما لها من أهمية في تكوين رأي علمي دقيق عن تطور العروض في الجاهلية . ولا يعقل في نظري أن يكون الشاعر الجاهلي قد كان بغفلة عن تلك الأمور التي عدَّها الإسلاميون من مواطن الاضطراب والخروج عن القواعد . وإذا قسنا هذا الخروج في الوزن على مقاييس وزن الشعر عند الساميين، نرى أنه لم يكن خروجاً، لعدم تقيّد ذلك الشعر بالوزن في كل القطعة أو القصيدة، وإنما كانوا يتقيدون بوزن البيت، فالقطعة أو القصيدة عندهم منسجمة ذات نغم ووزن وإن تكونت من بحر أو من جملة بحور، وربما كان هذا شأن القصيدة عند الجاهليين كذلك([13])."

وسنقف في قصائده المتواضعة الطول على كثير من لوحات وأسس وملامح البناء الفني للقصيدة العربية، وإن تكن لم تكتمل، ولم تنضج كما هي عند المتأخرين عليه .

ففي قصيدته، أمن آل أسماءَ الطلول الدوارس ([14]) .. يقف الشاعر على أطلال محبوبته أسماء، وقد أصبحت قفراً تأوي إليها الطير، فتهيج الذكرى في نفسه، وبعد أن يصفها ينتقل إلى الرحلة الذاتية بقوله :

ودوَّيةً غبراءَ قد طال عهدُها * تهالَكُ فيها الوِرْدُ والمرء ناعسُ

ويصف الشاعر الصحراء وما فيها من مجاهيل حيث زقزقة البوم في أرجائها مثل ضرب النواقيس ليصل إلى صحبةٍ له يصفهم بالطيبة وحسن الأخلاق، ثم نراه يغفل الصراع داخل هذه الصحراء ويذهب مذهباً آخر حين يجعل من الذئب أنيساً إلى ناره، فيطعمه من زاده، وبهذا يكون المرقش الأكبر من أوائل الذين أسسوا لهذا الفن الذي سنجده عند الآخرين، ولاسيما عند الفرزدق بقصيدته الشهيرة .

وفي قصيدته التي رثى بها عمه ثعلبة نجد ملامح الأسس الفني للقصيدة العربية، وذلك في المقدمة حين يجعل سؤاله للديار ضمناً من خلال إجابته : لو كان رسمٌ ناطقاً كلَّمْ .

ويصف الديار بالقفر وكأنها خطوط مرقش، أو خطاط يزين خطوطه، وهي ديار لأسماء التي شغفت قلبه فأبكت عينيه، وقد أضحت خلاء إلاّ من زهورٍ ندية نوّرت بألوان الأحمر والأبيض والأصفر، وهذا ما يخالف قوله بأنها قفر، ونلمس أن الوقوف كان ضمناً على هذه الديار، وأن الشاعر تغزل في معرض الرثاء .

ثم ينتقل الشاعر إلى رحلة الظعائن، فيصفها زمن رحيلها، وهو الصباح الباكر، فكانوا كأشجار نخيل اليمامة، ويصف جمالهن بقوله :

النشر مسك والوجوهُ دنا * نيرُ وأطراف البنان عَنَمْ

ورغم أن هذا الوصف جميل لرحلة الظعائن، وهو ما نراه فيما بعد عند زهير بن أبي سلمى، إلاّ أنه غير مناسب للموضوع الذي هو رثاء، ولهذا لا نرى المقدمة مناسبة لموضوعها، وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على بداية الشاعر في هذا الفن، وعدم اكتمال مبدأ التناسب بعد .

ثم ينتقل الشاعر إلى رثاء عمه ثعلبة، وهو رثاء اتسم بالتسليم بالقضاء والقدر، وأنه لا يوجد إنسان خالد في الدنيا، لينتقل إلى مدح الملك الغساني ولا ندري ما مناسبة رثاء عمه الذي قتله بنو تغلب بمديح الملك الغساني، ومن خلال ذلك يجد الشاعر فرصة لمديح قومه والفخر بهم، ثم نراه يختم قصيدته ببيتٍ هو ألصق ما يكون بالطلل، فما مناسبة مجيئه هنا لا ندري؟ سوى أن المفضل الضبي([15]) لم يروه وهو قوله :

هل تعرف الدار بجَنْبَيْ خيمْ * غيرها بعدك صوب الديمْ

وفي الديوان أيضاً قصيدة بلغت ثلاثة عشر بيتاً استهلها الشاعر بقوله([16]) :

خليلي عوجا بارك الله فيكما * وإن لم تكنْ هندٌ لأرضكما قصدا

وهي الصيغة التي تشيع في المقدمة الطللية الغزلية، وهنا اقتصر الشاعر على هذا البيت في الافتتاح الغزلي، كذلك نقف على قصيدته التي مطلعها([17]) :

ألا بانَ جيراني ولست بعائفِ * أدانٍ بهم صرف النوى أم مخالفي

وهي في ذكر الخليط الظاعن مما سيكون له لوحة جميلة عند الشعراء اللاحقين، ومنهم زهير بن أبي سلمى، كما نلاحظ جمالية الصورة عند مرقش في هذه الرحلة وهي قوله :

وفي الحيِّ أبكارٌ سبين فؤاده * علالة ما زوَّدنَ، والحبُّ شاغفي
دِقاقُ الخصُورِ قرونُها * لشجوٍ ولم يحضُرْنَ حمَّى المزالفِ
نواعمُ أبكارٌ سرائرُ بدَّنٌ * حسانُ الوجوه ليِّناتُ السوالفِ
يُهَدِّلْنَ في الآذان من كلِّ مُذْهبٍ * له رَبَذٌ يَعْيا به كلُّ واصفِ
إذا ظعن الحيُّ الجميع اجتنبتُهمْ * مكان النديم للنجيِّ المُساعِفِ
فصُرْنَ شقيّاً لا يُبالينَ غَيَّهُ * يُعَوِّجْنَ من أعناقها بالمواقفِ
نَشَرْنَ حديثاً آنِساً فوضعنَهُ * خفيضاً فلا يَلْغَى به كلُّ طائفِ
فلما تبنَّى الحيَّ جِئْنَ إليهمُ * فكان النـزولُ في حجورِ النواصفِ
تنزلن عن دَوْمٍ تهفُّ مُتُوْنُهُ * مُزَيَّنَةٍ أكنافُها بالزخارفِ

واللافت للنظر أن الشاعر وصف النساء قبل ظعنهم، ثم وصفهنَّ في رحلتهن، ليصل إلى مديح قومه، والفخر بهم، ثم جعل رحلته خاتمة للقصيدة مكتفياً ببيتين فقط، وهما قوله :

فهل تبْلغَنِّي دار قومي جَسْرةٌ * خنوفٌ عَلْنَدى جَلْعدٌ غير شارفِ
سديسٌ علتها كبرةٌ أو بويزلٌ * جماليةٌ في مشيها كالتقاذفِ

فالبنية الفنية للقصيدة غير منظمة، وقد جاءت وفق إرادة الشاعر لا وفق ما تقضيه بنية القصيدة الجاهلية في استقرارها على أسس معينة كما نراها عند طرفة مثلاً في المعلقة .

ونجد مثل ذلك على شكل بيتين فقط قد يكونا جزءاً من قصيدة مفقودة كقوله([18]):

وفيهنَّ حورٌ كمثلِ الظباءِ * تقرَّوا بأعلى السليل الهدالا
جعلنَ قُدْيساً وأعناده * يميناً وبرقة رَعْمٍ شمالا

أو بيت واحد كقوله :

ماذا وقوفي على رَبْعٍ عَفا * مُخْلَولقٍ دارسٍ مستعجمِ

وفي قصيدته التي مطلعها ([19]):

هل تعرف الدار عفا رسمها * إلاّ الأثافيَّ ومبنى الخيم

نقف على مقدمة طللية غزلية ينتقل منها الشاعر إلى رحلته الذاتية لتنتهي القصيدة من دون غرض، وقد بلغت اثني عشر بيتاً، مما يزيد على شكنا أن أبياتاً أخرى قد سقطت . ومثل هذا يقال عن قصيدته التي افتتحها برحلة الظعائن بقوله([20]):

لمن الظعن بالضحى طافياتٍ * شبهها الدَّوْمُ أو خلا يا سفينِ
جاعلات بطن الضباع شمالاً * وبراقَ النعافِ ذات اليمينِ
رافعاتٍ رقماً تُهال له العين على كلِّ بازلٍ مستكينِ
أو علاةٍ قد دُرِّبت درج المشيةِ حرفٍ مثلِ المهاة ذقونِ
عامدات لخلٍّ سَمْسَمٍ ما ينظرون صوتاً لحاجةِ المحزونِ

ثم ينتقل الشاعر إلى هجاء المنذر اللخمي لينهي القصيدة ببيتين عن رحلته الذاتية وهي إشارة إلى الرحلة، وليست رحلة في دقيق القول :

يُعمل البازِلَ المجدَّةَ بالرَّحلِ تشكَّى النجادَ بعد الحُزُونِ
بفتىً ناحفٍ وأمْرٍ أحذٌّ * وحسامٍ كالملحِ طوع اليمينِ

ونلاحظ تأثر طرفة في شعره، وهو تأثر محدود، ونلحظ مثل ذلك عند الأعشى، وكنا نتوقع أن يكون تأثيره فيهما أكبر، وممن تأثروا به عنتره بن شداد، ولا سيما في قصيدة المرقش التي يقول فيها([21]) :

ما قلتُ هيَّجَ عينَهُ لبكائها * محسورةً باتت على إغفائها
فكأن حبَّة فُلْفُلٍ في عينِهِ * ما بين مصبحها إلى إمسائها
سفهاً تَذَكُّرُهُ خويلةَ بعدما * حالت قرى نجرانَ دونَ لقائِها
واحتلَّ أهلي بالكثيب وأهلُها * في دارِ كلبٍ أرضها وسمائِها

إلى أن يقول :

هلا سألتِ بنا فوارسَ وائلٍ * فلنحن أسرَعُها إلى أعدائها
ولنحنُ أكثرُها إذا عُدَّ الحصى * ولنا فواضلها ومجدُ لوائها

إذ نجد روحية هذه المعاني في معلقة عنترة . وتبقى قصيدة المرقش :

إنا محيوك يا سلمى فحيينا * وإن سقيت كرام الناس فاسقينا

وتروى في ديوانه ([22]):

يا ذات أجوارنا قومي فحيينا * وإن سقيت كرام الناس فاسقينا

من أجمل قصائد الشعر العربي .

2. المرقش الأصغر:

ويجدر بنا أن نقف وقفة متأنية حول ما يروى عن هذا الشاعر الذي شارك المرقش الأكبر في اسمه ولقبه، وما نسج حول عشقه وحبه من قصص لا يقرها الواقع، ولا يعترف بها المنطق و"يقال إنه أخو الأكبر، ويقال إنه ابن أخيه واختلفوا في اسمه، فقال بعضهم هو عمرو بن حَرْمَلَة، وقال آخرون هو ربيعة بن سفيان، وهو من بني سعد بن مالك بن ضبيعة([23]) ."

وجاء في معجم الشعراء "المرقش الأصغر اسمه عمرو بن حرملة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وقيل اسمه حرملة بن سعد، وقيل اسمه ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك والمرقش الأكبر عمّ المرقش الأصغر ([24])."

ويقول ابن رشيق عن سعد بن مالك "ولا أدري هل هو أبو عمرو بن قميئة والمرقش الأكبر أم لا ([25])." وفي المزهر أن الأكبر عم الأصغر، والأصغر عم طرفة، وأنَّ اسم الأكبر عوف بن سعد، واسم الأصغر عمرو بن حرملة وقيل ربيعة بن سفيان([26]) . وفي جمهرة أشعار العرب أنه "عمرو بن حرملة بن سعد بن مالك…([27])" ويميل محققا المفضليات إلى أن اسمه ربيعة بن سفيان بن سعد، وذلك "لأنه عم طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك([28]) ." ويقول الدكتور عمر فرّوخ "المرقش الأصغر لقب ربيعة بن سفيان بن سعد وهو ابن أخي المرقِّش الأكبر([29])"

وقد استقرَتْ محققة ديوانه ما روي حول اسمه، وما اختلف فيه، ثم استقرَّتْ إلى رأي أنه "عمرو بن حرملة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة البكري، الوائلي . وهذا ما يؤكده ابن حبيب المتوفى (245هـ) وصاحب نشوة الطرب المتوفى (685هـ)([30]) ويورده كلُّ من ابن قتيبة والجمحي وصاحب الأغاني، وحمّاد الرواية … كما ترجحه الأسباب التالية :

1. إنَّ عمراً هو اسم الأكبر، … وبما أن اسميهما (عمرو) فغدا المجال الوحيد للتمييز بينهما هو العمر، فأطلقوا على العم (المرقش الأكبر) وعلى ابن الأخ (المرقش الأصغر).

2. أما حرملة : فأرى أنه من الأصوب أن يكون اسم والده لا اسمه… ولكون المرقش قد استغاث به في إحدى قصائده، وبأخيه الثاني أنس .

3. وإن تكرار وروده في تركيب اسم المرقش الأصغر، وعدّه حيناً اسمه، وحيناً اسم والده يؤكدّ كونه نسيجاً في اسمه قريباً جداً منه، وليس هناك أقرب من أن يكون اسم والده .

وهكذا نرى بأن اسمه هو عمرو بن حرملة بن سعد بن مالك على أرجح تقدير والله أعلم ([31])."

ومما يلاحظ أن الباحثة قد استندت فيما استندت إليه إلى قصة خرافية لا تصدقها الوقائع الطبيعية، وهي استغاثته بعمر وأنس بعد إحساسه بمؤامرة الغُفلي.

حياته :

لم تروِ بطون الكتب إلاّ القليل عن حياة المرقش الأصغر، واكتفت بأن وصفته شاعراً فارساً من سادة قومه، وممن شاركوا في حرب البسوس، ولم يصلنا من شعره في هذه الحرب شيء يذكر على الرغم من امتدادها وتشعب أحداثها، وكثرة وقائعها، واكتواء بكر بنارها .

ووصفت الروايات التاريخية المرقش الأصغر بأنه شاب جميل، ومن أحسن الناس وجهاً، أزرق العينين، وتلك الأوصاف صفات عمه المرقش الأكبر في جماله ولون عينيه، وأيضاً يماثله في الصفات المعنوية، كالشجاعة والذكاء وكذلك تماثلاً في قصة حبهما غير الاعتيادية حتى قيل عن الأصغر (أتيم من المرقش) ، وأضافوا إلى الأصغر أنه كان راعي إبل، وأن له صديق عمرٍ لا يفارقه هو ابن عمه جناب بن عوف .

وفي قصة حبه لابنة عجلان خادمة فاطمة بنت المنذر الثالث ملك الحيرة ثم لفاطمة، وما قيل عن مغامراته الجنسية معهما ما تنفر منه النفوس، وترفضه العقول، وتكذبه الحياة، فلقد جنح الخيال المريض بالرواة، وأخذ بهم أيّما مأخذ فانفلتوا من أي عقال، وتحرروا من كل قيد، فقالوا ما لا يُصدق ولا يقبل .

ويبدو أن هؤلاء الرواة كانوا بشكل غير منظم، ولا مقصود أيام العصر الجاهلي ممن يتبرعون لسبك القصص الغريبة الخارقة للعادة طمعاً في قضاء سمرٍ مشوّقٍ لا يُملّ . ثم جاء رواة العربية فأخذوا منهم ما أشاعوه في المجتمع الجاهلي من قبل، وما تناقلته الألسن، وسارت به الركبان حتى غدا مادة لأشعارهم، ومعيناً غير نقيٍّ لثقافتهم .

ومن هذه ما رووه عن قصة حب المرقش لهند بنت عجلان، وهي خادمة فاطمة بنت المنذر أن صديقه وابن عمه جناب بن عوف قد أخبره أن ابنة عجلان تأخذ في كل ليلة رجلاً من الذين يستقون الماء لينام عندها، فأقام المرقش عند الماء، فلما رأته بنت عجلان أُخذت بجماله وشغفت بحسنه فأخذته فبات عندها، ثم تستمر القصة لتروي ما لا يستطيع اللسان أن يلفظه وما ينبو عن كتابته القلم ؛ وملخصه أن فاطمة بنت المنذر أعجبت بليلة المرقش عند ابنة عجلان، وطلبت مقدمه، فقدم عليها تحمله ابنة عجلان على ظهرها لأن حرس القصر ينثرون التراب حول قبة فاطمة، ويجرون عليها ثوباً ويحرسونها فلا يدخل عليها إلا خادمتها، وفي الصباح يرسل الملك برجال يقتفون الأثر وهم الذين يعرفون بالقافة فينظرون أثر من دخل إليها ويعودون فيقولون : لم نر إلاّ أثر بنت عجلان .

فلما كانت تلك الليلة التي حملت فيه ابنة عجلان المرقش على ظهرها وحزمته إلى بطنها بثوب، وأدخلته إليها فبات معها، فلما أصبح بعث الملك بالقافة، فنظروا، وعادوا إليه فقالوا : نظرنا أثر بنت عجلان، وهي مثقلة .

ولبث على هذه الحالة مدة، وكان يراقبه جناب بن عوف، فقال له : ألم تكن عاهدتني عهداً لا تكتمني شيئاً، ولا أكتمك ولا نتكذب ؟!! فما كان من المرقش إلاّ أن أخبره بمغامراته مع فاطمة، فقال له : لا أرضى عنك، ولا أكلمك أبداً، أو تدخلني عليها، وحلف على ذلك .

فانطلق المرقش به إلى المكان الذي يلتقي به ابنة عجلان، فأجلسه فيه وأخبره بما يفعل، وكيف يصنع إذا دخل على فاطمة، وكان متشابهين غير أن جناب بن عوف كان أشعر مما جعل فاطمة تنكره وترتاب به، فدفعته عنها وقالت : قبح الله سراً عند المُعيدي، فرجعت به بنت عجلان، فلما رآه المرقش أدرك أن أمره قد فُضح، فندم ندماً شديداً جعله يعضُّ على إصبعه حتى قطعه، وله في ذلك قصيدة شهيرة منها إشارته إلى قطع إصبعه :

ألم ترَ أنّ المرءَ يجذم كفّه * ويجشم من لوم الصديق المجاشما

وأصبح من حينها مضرب مثل إذ يقال (أتيم من المرقّش).

تلك هي قصة حب المرقش إذلم تستطع سخونة أحداثها وحرارة مفاجآتها أن تذيب برودة الكذب والتلفيق التي غطتها بكل جزئياتها، ففاحت روائح الكذب منها بحيث لم تترك لأيِّ باحث ناقد أن يكلف قلمه في نقدها أو يمنحها شرف الدراسة الهادفة .

غير أن هذه القصة غير المشرفة تجعلنا ننظر إلى زاوية أخرى نراها معتمة وهي حقيقة شخصية المرقش الأصغر ؛ فهي تبدو غير منفصلة عن شخصية المرقش الأكبر إلاّ في هذه القصة، وما قيل بأنه أشعر من عمه، وليس هذا بدقيق إلاّ من ناحية فصل الشعرين، وانتقاء أجود ما فيهما ونسبته إلى الأصغر.

وقد رأينا أنهما تشابها في الاسم، وفي الأوصاف المادية والمعنوية . وفي الأحداث إذ خاضا حرب البسوس، وفي تجربة حب بائسة .

وقد روى الرواة سبباً لتسمية الأكبر بالمرقش . ولم يرووا للأصغر أيَّ سبب لتسميته به. ألا يدعو كل هذا إلى الشك بشخصية الأصغر فضلاً عن أن شعره بألفاظه ومعانيه صورة عن شعر الأكبر، وقد تداخل شعرهما ونسب إلى كل واحد منهما بعضه، كالبيتين اللذين قيل إن المرقش الأكبر كان مع عمه ثعلبة ساعة مقتله، فقد نسبهما المفضل([32]) للأصغر .

وفي حياة المرقش الأكبر أنه أمضى مدة في الحيرة ثم إن المنذر طلبه فهرب إلى الشام، وعرَّض به وتشير هذه الروايات إلى تقارب في عمريهما إذ إن الأكبر كان في حياة المنذر الثالث وكذلك الأصغر وقد نسب له ابن قتيبة الشعر الذي قاله هرباً من المنذر، وانه أتى الشام فقال([33]) :

أبلغ المنذر المنقّب عني * غير مُسْتَعْتبٍ ولا مستعينِ
لات هنّا وليتني طرب الزُّجِ، وأهلي بالشأم ذات القرونِ

وهو ما نسبه غيره للأكبر، ومطلعه([34]) :

لمن الظُّعنُ بالضحى طافياتٍ * شبهُهَا الدَّومُ أو خلايا سفينِ

ثم إن شعر الأصغر لا يعدو ثلاث قصائد ومقطوعتين، وقد بلغت أبيات القصائد الثلاث سبعة وستين بيتاً، توزعت على تسعة عشر بيتاً للأولى واثنين وعشرين للثانية، وستة وعشرين للثالثة، والمقطوعة الأولى أربعة أبيات، والثانية ستة أبيات، وهو كمٌ جد متواضع لشاعر قيل إنه خاض تجارب حماسية وعاطفية ؟

ثم إن قصة حبه لهند بنت عجلان تبدو في شعره حلماً عاشه الشاعر في خياله وقصه بعيداً عن التفاصيل التي نسجها الرواة، ففي قصيدته الأولى يصور حبه لهند بنت عجلان بقوله :

أمن رسم دارٍ ماءُ عينيك يَسْفَحُ * غدا من مُقامٍ أهْلُهُ وتروَّحُوا
تزجّي بها خنس الظباء وسخالها * جآذرُها بالجو وردٌ وأَصْبَحُ
أمن بنت عجلان الخيال المطرَّحُ([35])* ألمَّ ورحلي ساقطٌ مُتَزَحْزِحُ
فلما انتبهتُ بالخيال وراعني * إذا هو رَحْلي والبلاد توضَّحُ
ولكنه زورٌ يُيَقِّظُ نائماً * ويُحْدِثُ أشجاناً بقلبك تجرحُ
بكلِّ مَبِيتٍ يعترينا ومنـزلٍ * فلو أنها تُدْلجُ الليلَ تصبحُ

أما قصة حبه لفاطمة، فهي أكثر جلاء لأحلام الرعاة الذين ينظرون إلى الخورنق والسدير، فيعبرون أسوارهما بمخيلة لا تخشى حراسها لتستطلع ما يدور داخلهما في حياة الملوك والأمراء فيقول الشاعر :

ألا يا اسْلَمي لاصُرْمَ لي اليوم فاطما * ولا أبداً ما دام وصلك دائما

إلى أن يقول :

أمن حُلُمٍ أصبحت تنكت واجماً * وقد تعتري الأحلام من كان نائما

وفي هذه القصيدة بيتان تجدر الإشارة إليهما، وهو قوله :

رمتك ابنة البكري عن فرع ضالةٍ * وهُنَّ بنا خوصٌ يُخَلْنَ نعائما
تراءت لنا يوم الرحيل بواردٍ * وعذب الثنايا لم يكن متراكما

وابنة البكري هي أسماء البكرية صاحبة المرقش الأكبر ([36]).!!

وأحلام الشعراء الجاهليين تسير على هذا النسق الذي سار عليه المرقش كما في قصة المنخل اليشكري، والمتجردة زوج النعمان بن المنذر ملك الحيرة وقالوا عنه إنه كان من أجمل أهل زمانه "وتوصل أن نادم النعمان… فرأته المتجردة فأحبته، ورصدت غفلة النعمان إلى أن خرج يوماً للصيد، فاستدعته المتجردة، وألقت رجلها مع رجله في قيد، واشتغلا بالشرب واللهو ؛ فهجم عليها النعمان، وهما على تلك الحالة، فقتل المنخَّل بالعذاب([37]) . "

غير أن شعر المنخّل ينفي ما يذهب إليه الرواة الملفقون لمثل هذه الروايات الساقطة، فنراه في قصيدته التي مطلعها([38]) :

إن كنت عاذلتي فسيري * نحو العراق ولا تحوري

يتحدث عن حلم خمري أخذته فيه نشوة الخمرة إلى خياله الشاعري ليطير به داخل حجرة نوم ملك الحيرة، ليقول :

ولقد دخلت على الفتاةِ، الخِدْرَ في اليوم المطيرِ
الكاعب الحسناء تَرْفل، في الدمقس وفي الحريرِ

ويبدو أن حرارة الخمرة قد ذهبت به إلى القول :

فدنت وقالت يا منخَّلُ ما بجسمك من حرور
ما شفّ جسمي غيرُ حبِّك فاهدئي عني وسيري
وأحبها وتحبني * ويحبُّ ناقتها بعيري

ثم يكمل التبريزي، والأعلم الشنتمري الأبيات([39]) :

ولقد شربتُ من المدامةِ، بالصغير وبالكبيرِ
وشربت بالخيل الإناث، وبالمُطَهَّمَةِ الذكورِ

وإذا كان المنخّل يدفع كل ما عنده ليخمر حدَّ الثمالة، فكيف سيرى نفسه تحت تأثير الخمرة :

فإذا انتشيت فإنني * ربُّ الخورنقِ والسديرِ

ولكن إذا ذهبت الخمرة، وهبط به الخيال إلى الواقع، فما تكون حاله :

وإذا صحوتُ فإنني * ربُّ الشويهة والبعير

وذاك هو الواقع بعينه إنه حلم شاعر يسافر به في كلِّ الدنيا، فإذا هو ملك زمانه يمتلك كل شيء، وكلُّ شيء طوع خياله المحلق، ولكن حين يصحو ويعود من حلمه ويهبط من علياء خياله لا يرى إلاّ حقيقته يرى شاته وبعيره، ولا يدري أن هناك من سيجعل من سذاجة حلمه قصة يتحدث بها كل لسان، وتسير بها الركبان .

ونشير أيضاً إلى أن اسم فاطمة يرمز له الشعراء بالانقطاع، وهكذا كان عند المرقش بعد انقطاعه عن المناذرة، ومثل ذلك نجده عند المثقِّب العبدي الذي اتصل بعمرو بن هند ومدحه، وحين أحسَّ منه جفوة خاطبه بقصيدته الشهيرة([40]):

أفاطم قبل بينك متعيني * ومنعك ما سألتك أن تبيني
فلا تعدي مواعد كاذباتٍ * تمرُّ بها رياح الصيف دوني

إلى أن يقول لعمرو :

فإما أنْ تكون أخي بحقٍّ * فأعرفَ منك غثي من سميني
وإلاّ فاطرحني واتخذني * عدواًً أتقيك وتتقيني

وإن صح أن الخطاب موجه لعمرو بن هند، أو لشخص آخر اسمه عمرو فإن الأمر يُبقي على معنى الانقطاع والانفصال .

من كل ذلك نرجح أن خلطاً وانفصاماً حدثا في آن معاً، ولهذا نرى أن شخصية المرقش ربما تكون واحدة، وأن قصة فاطمة الوهمية كانت وراء تشكيل شخصية ثانية باسم المرقش الأصغر، ويبقى الموضوع بحاجة إلى دراسة موسعة، ولا سيما لشعرهما وتشير القصائد الثلاث إلى تطور في المقدمة، ففي الأولى نقف على وصف شبه مكتمل، وإن خلا من الوقوف الصريح، لكنه كان ضمناً كما وجدناه عند الأكبر فيقول ([41]):

أمن رسم دارٍ ماءُ عينيك يسفحُ * غدا من مُقام أهله وتروَّحوا
تزجِّي بها خُنس الظباءِ سِخالها * جآذرُها بالجوِّ وردٌ وأَصْبَحُ

ثم ينتقل الشاعر انتقالة لطيفة إلى رحلته من دون أن يشعر القارئ به :

أمن بنت عجلانَ الخيال المطرَّحُ * ألم ورحلي ساقط مُتَزحزحُ
فلما انتبهتُ بالخيال وراعني * إذا هو رحلي والبلادُ تَوَضحُ
ولكنه زورٌ يُيَقِّظُ نائماً * ويحدث أشجاناً بقلبك تَجْرَحُ
بكلِّ مبيتٍ يعترينا ومنـزلٍ * فلو أنها إذ تُدْلجُ الليل تُصْبحُ
فولَّتْ وقد بثت تباريح ما ترى * ووجدي بها إذ تَحْدرُ الدمعَ أبرحُ

ويجعل الشاعر من غزله بطيف ابنة عجلان متكأ لوصف الخمرة ليظهر كرمه على عادة الشعراء الفرسان، مقدماً هذه اللوحة على لوحة الفروسية ووصف الفرس والغارة فيقول :

وما قهوةٌ صهباءُ كالمسكِ ريحُها * تُعَلَّى على الناجود طوراً وتُقْدَحُ
ثوتْ في سباء الدَّنِّ عشرينَ حِجَّةً * يطانُ عليها قَرْمَدٌ وتُرَوَّحُ
سباها رجالٌ من يهودَ تباعدوا * لجيلان يُدنيها من السوق مُرْبحُ
بأطيب من فيها إذا جئتُ طارقاً * من الليل، بل فوها ألذُّ وأَنْصَحُ
غدونا بضافٍ كالعسيب مجلَّلٍ * طويناه حيناً فهو شِزْبٌ ملَّوحُ

ويلاحظ القارئ كيف دخل الشاعر لوحة الفروسية من دون أي قطع أو انفصال :

أسيلٍ نبيلٍ ليس فيه معابةٌ * كُمَيتٌ كلونِ الصَّرفِ أرجلُ أقرحُ
على مثله آتي النديَّ مخايلاً * وأغمِزُ سرّاً أيُّ أمْريَّ أَرْبَحُ
ويسبق مطروداً ويلحق طارداً * ويخرجُ من نحمِّ المضيق ويجرحُ
تراه بشكَّات المُدَجَّجِ بعدما * تقطَّعَ أقرانُ المُغيرةِ يجمعُ
شهدتُ به في غارةٍ مُسْبَطِرَّةٍ * يطاعن أولاها فِئامٌ مُصَبَّحُ
كما انتفجَتْ من الظباء جدايةٌ * أشمُّ، إذا ذكَّرْتَهُ الشدَّ أَفْيَحُ
يجمُّ جُمُومَ الحِسْيِ جاش مضيقُهُ * وجرَّدَه من تحتُ غَيْلٌ وأَبْطَحُ

شرح الكلمات :

1. رسم الدار : أثرها - وغدا : سار أول النهار - تروَّحوا : ساروا في الرَّواح، وهو من لدن زوال الشمس إلى الليل .
2. تزجّي: تسوق. والأخنس: قصير الأنف- سخالها : أولادها الصغار-الوَرْدُ : الذي تعلوه حمرة - والأصبح : أشد حمرة منه شيئاً .
3. المطرّح : وهو الذي يطرح نفسه من مكان بعيد .
4. يريد أنه رأى الخيال في نومه فلما انتبه لم يجد إلاّ رحله . وتوضّح : تتوضّح أي تظهر وتبين . يريد أنها خالية .
5.الزور : الزائر .
6. يعترينا : يصير إلينا - وتدلج : تسير ليلاً .
7. التباريح : شدة الوجد، وأبرح : أشد وجداً .
8. الناجود: إناء الخمر صغيراً كان أو كبيراً، تطان: من الطين أي تختم. القهوة : الخمر، والصهباء : الشقراء أو الحمراء . وتنـزح : أي تقدح من قولهم: نزحت البئر أي قدحت ماءها .
9. السباء شَرْي الخمر . والقرمد : الآجر، تروّح : تخرج إلى الريح وتبرّد.
10. جيلان : بلد من بلاد العجم، ومربح : أي يزيد من ثمنها .
11. ينضح : يريد ينضح ريقها بهذه الرائحة الطيبة .
12. بضاف : أي طويل الذنب - الشزب : المضمر . ملوّح : مغيّر اللون من الشمس .
13. أسيل : طويل - النبيل : الغليظ - الكميت : لون ليس بأشقر ولا أدهم - الصرف : الخمر الصافية .
14. الندي : النادي والمجلس - المخايل : الذي يختال - أفلح : أبقى - وتغمز سرّاً أي أمريك أربح : يريد تنظر أي أمريك أربح : النجاء أو الطلب: تغمز إلى أصحابك بذلك سراً أم تنجو أم تكرّ يقول : إذا كنت على صهوة هذا الجواد وطوردت سبقت، وإذا طاردت لحقت، وإذا ضاق عليك الأمر في السبق خرجت منه إلى الزهو والمرح .
15. الشكة : السلاح - والمدجج : اللابس السلاح -والمغيرة : الخيل التي تغير، والأقران : الجبال .
16. المسبطرة : الممتدة الطويلة .
17. انتفجت : خرجت ثائرة -الجداية : الشاب من الظباء - أفيح : بعيد ما بين الخطوتين .
18. يجمّ : يزيد - الحسي : البئر، جاش : ارتفع - يردي : يعدو - الغِيل: الماء الكثير - الأبطح : موضع الحصى والماء .

دراسة القصيدة :

نحن أمام قصيدة شعرية ناضجة يفتتحها الشاعر بالبكاء على آثار ديار خلت من أهلها وأمست مأوى للحيوانات وأولادها، وذاك هو البديل الذي يحرص الشاعر على ذكره، ثم نراه فجأةً يحدثنا عن خيال حبيبته من دون أن يذكر أن الديار ديارها، أو يتحدث عن مغادرته الديار على ظهر ناقته، وإنما يدخل في حلمه الذي رأى فيه خيال ابنة عجلان، وقد زاره فلما انتبه إذا به على ظهر راحلته، وهي تهوي به مسرعة، مما أحدث في قلبه الحزن والهم وتلك صيغة سنراها عند الشعراء الآخرين بقولهم : فدع ذا وسلّي الهمّ- لينتقل للحديث عن رحلته، غير أنها جاءت هنا بأسلوب آخر، فدخل الطلل بالنسيب، والنسيب بالرحلة ليؤكد الشاعر أن هذا الخيال، أو الحلم يأتيه في كل زمان ومكان، والزمان هو مبيته، والمكان هو المنـزل الذي نـزل به بمعنى أنه مصاحب له في الليل والنهار، أو في النوم واليقظة، وحين يتركه يخلّف في قلبه الحزن والمرارة، فياليته صاحبه دون يقظة في الليل أو في الصباح، مما يجعله يبكي على انتباهته منه، لأنه يعطيه ما لاتعطيه اليقظة، فيجعل الحلم متكأ له للغزل بالمحبوبة الزائرة بطيفها، فهي ألذُّ من الخمر، وما تمنحه لشاربها وذاك مجال آخر يجول فيه الشاعر ليصف الخمرة وثمنها الباهظ في إشارة إلى بذله المال وكرمه، وهو أسلوب الشعراء الفرسان الذين لا يهبطون حلبة الغارة قبل أن يمهدوا له بالكرم، وكأنهم يربطون بين الجود بالمال والجود بالنفس، وأن الكرم شجاعة مثل ما هو البخل جبن .

فيحرص على إبقاء التداخل بين الخمرة وطيبها، والحبيبة وطيبها، وكثيراً ما تكون أجواء الخمرة باعثاً إلى أجواء المرأة ومفاتنها، ثم ينتقل إلى لوحة الفروسية من دون تمهيد أو قطع، ليغدو على حصان اختار له أجمل الصفات في السرعة والكر والفر، والنجاء والمناورة، وكذلك الصفات المادية المرغوبة بالحصان الأصيل ليتحدث عن قدرته باللحاق والركض في أية أرض كانت جبالاً أو سهولاً، أو مغمورة بالماء والحصى، وتلك صورة مثالية نراها في حصان امرئ القيس، ليكون هذا الحصان معداً إعداداً عالياً لدخول الغارة الطويلة فيزيد من سرعته كلما طال الشوط به .

والقصيدة على قصرها اختزنت كثيراً من المعاني التي نراها أكثر تفصيلاً عند الشعراء الذين يطيلون قصائدهم، في الطلل وشؤونه، والحبيبة ورحيلها والناقة وقطعها المفازة، وما يبعثه الشاعر من صراع بينها وبين كلاب الصياد أو حيوانات وطيور الصحراء الكاسرة، أو في رحلة الظعائن وجماليتها، أو في الغارة، وما بها من اشتباك السيوف، وطعن الرماح، وصوت المحاربين، ودمائهم وغبار الخيول وكرّ المقاتلين وفرهم، ثم فخر الشاعر بنفسه وقبيلته وذكر الأمجاد والمآثر والمناقب إلى آخره .

ويمكن أن نقول في وحدة هذه القصيدة الكثير فهي وحدة واضحة انتظمت فيها الأبيات جميعها .

إذاً تلك صورة للشعر العربي الذي سنراه أكثر تفصيلاً عند الشعراء اللاحقين .

ويمكن لنا أن نقف على تلك الملامح البنائية عند الشاعر في قصيدته التي مطلعها([42]) :

لابنةِ عجلانَ بالجوّ رسومْ * لم يَتَعَفَّيْنَ والعهد قديمْ

لنرى تعفية الديار وقدم عهدها وتقلبات الدهر، وبكاء الشاعر عليها وقد أقفرت من أهلها، وكانوا بها من قبل، ثم خطاب الشاعر لابنة عجلان وإخبارها بشدة صبره على الشدائد، ليجعل من هذا الخطاب سبباً في تشبيهها بالخمرة، وما تحدثه من هزة في شاربها، وهي خمرة تمزج بالماء البارد لشدة سخونتها، ثم يصف ابنة عجلان بأنها منعمة وبعيدة عن الفواحش والخنا . ثم ينتقل الشاعر إلى وصف برق أرّقه وأتعبه، فينادي مَنْ لخيالٍ زاره في منتصف الليل، فأشعره بالهمَّ وملأ قلبه سقماً، ليعلن عن ليلةٍ سهرها مليئة بالهموم ؛ لم يعرف بها طعم النوم يرعى نجومها وحاله أشدّ من حال اللديغ الذي لم يهجع بعد ألم ومعاناة أم هو فلا يعرف طعم الغمض، مخاطباً نفسه :

تبكي على الدهرِ و الدهر الذي * أبكاك، فالدمع كالشن الهزيمِ

وهو بكاء نادم ولائم ليكون توطئةً للحكمة، وأنْ لا شيء باقٍ على حال فلربما سلب الدهر مال الغني، وكم منيع نال منه الزمن فتركه يعاني مما تركه فيه من جراحات، وأخو نعمة ذهبت نعمته، فأضحى في شقاء، أو مسافر لم يسافر، وآخر مقيم يرحل، فينهي قصيدته بقوله :

وللفتى غائلٌ يغولُهُ * يا ابنة عجلان من وقع الحتوم

فلا أحد باقٍ ولا ناجٍ من القضاء والقدر .

فالقصيدة ابتدأها الشاعر بذكر الأطلال، وحرص على أن يذكر انها قد عفت رسومها لقدمها، ثم ذكر بكائه عليه، ونسب الأطلال إلى ابنة عجلان وهي مقدمة مناسبة للحكمة التي ختم بها الشاعر قصيدته، وقد مهد لهذه الخاتمة بيتاً ختم فيه لوحة الطلل، وهو قوله :

يا ابنة عجلانَ ما أصبرني * على خطوبٍ كنحتٍ بالقدومْ

لكن هذا البيت لم يكن مناسباً للانتقال المفاجئ من ابنة عجلان، والخمرة فقد فاجأنا الشاعر بقوله :

كأنَّ فيها عقاراً قَرقفاً * نشَّ من الدنِّ فالكأس رذومْ

فلم يكن موفقاً بهذا الانتقال للحديث عن ابنة عجلان والخمرة والموازنة بينهما، وعن صفات كل منهما لكنه وفق في اليبت الذي جعله خاتمة ومتكأ للانتقال إلى الحديث عن أرقه، فقال :

لا تصطلي النارَ بالليل ولا * توقظ للزادِ، بلهاءُ نؤومْ

حين جعل من الليل مناسبة للقول :

أرَّقني الليلَ برقٌ ناصبٌ * ولم يعنِّي على ذاك حميمْ

لأن البرق لم يكن بشير مطرٍ، وإنما بشير طيف حبيبته، فقال :

مَنْ لخيالٍ تسدَّى مَوْهناً * أشعرني الهمَّ فالقلبُ سقيمْ

فالقصيدة فنياً دون القصيدة السالفة، لكنها بالتأكيد من القصائد التي مهَّدتْ للقصائد الطوال المحكمة البناء، ثم إنها اضطربت في وزن بعض أبياتها وكثرت فيها الزحافات، ولا سيما زحاف الطي وهو حذف الرابع الساكن من التفعيلة مستفعلن، فتصبح مستعلن، والقصيدة من مجزوء البسيط، وقد خرج الشاعر عن الوزن في قوله :

وبينا ظاعنٌ ذو شقة * إذْ حلَّ رحلاً وإذْ خف المقيمْ

وهو مروي كذلك في المفضليات([43])، وربما يكون (وبينما) وغيرَّه الرواة أو أن الشاعر خرج إلى الوافر على الرغم من بُعد الشقة بين مجزوء البسيط والبحر الوافر، فأدخل العجر في الصدر : وبينا ظاعن ذو شقةٍ إذْ، وتوهّم الوزن في التفعيلة الثانية والثالثة :

وإذ خفَّ المقيم، لتكراره إذ مرتين، علماً بأننا لم نقف له على شعرٍ على البحر الوافر، وكانت له مقطوعة من أربعة أبيات على مجزوء البسيط وقد قيّدت قافيتها أيضاً، وكثر فيها زحاف الطيّ، وهي :

الزقُّ ملكٌ لمن كان له * والمُلكُ منه طويلٌ وقصيرْ

في حين كان للمرقش الأكبر قصيدة على الوافر، وهي قوله :

سرى ليلاً خيالٌ من سليمى * فأرقني وأصحابي هُجُودُ

وننتقل إلى القصيدة التي قيل إنه قالها بعد أن افتضح أمره لدى فاطمة بنت المنذر، وفيها يشير إلى قطع إصبعه ندماً على سوء ما فعله، يقول([44]):

ألا يا اسْلَمي لا صُرْمَ لي اليومَ فاطما * ولا أبداً ما دام وصلُك دائما([45])
رمتك ابنة البكري عن فرع ضالةٍ * وهنَّ بنا خوصٌ يُخَلْنَ نعائما
تراءت لنا يوم الرحيل بورادٍ * وعذب الثنايا لم يكن متراكما
سقاه حبيُّ المزن في متهدِّلٍ * من الشمس روَّاه رباباً سواجما
أرتك بذات الضَّال منها معاصماً * وخداً أسيلاً كالوذيلةِ ناعما
صحا قلبه عنها أنَّ ذِكْرةً * إذا خطرتْ دارتْ به الأرض قائما
تبصَّرْ خليلي هل ترى من ظعائنٍ * خرجن سراعاً واقتعدن المفائما
تحمَّلن من جَوِّ الوريعةِ بعدما * تعالى النهار واجْتَزَعْنَ الصرائما
تحلَّيْنَ ياقوتاً وشذراً وصيغةً * وجزعاً ظفارياً ودرَّاً توائما
سلكن القُرى والجزعَ تُحدى جمالهم * وورَّكنَ قوَّاً واجْتَزَعْنَ المخارما
ألا حبذا وجهٌ ترينا بياضه * ومنسدلات كالمثاني فواحما([46])
وإنّي لأسْتَحْيِي فطيمةُ جائعاً * خميصاً، واستحيي فطيمة طاعما
وإني لأستحييكِ والخرقُ بيننا * مخافةَ أنْ تَلْقَي أخاً لي صارما
وإني وإنْ كلَّتْ قَلُوصي لراجمٌ * بها وبنفسي، يا فطيمَ، المراجما
أفاطمَ إنَّ الحبَّ يعفو عن القِلى * ويجشمُ ذا العرضِ الكريم المجاشما
ألا يااسلمي بالكوكب الطَّلْق فاطِما * وإنْ لم يكنْ صرفُ النوى متلائما
ألا يا اسلمي ثم اعلمي أنّ حاجتي * إليك فَرُدِّي من نوالكِ فاطما
أفاطم لو انَّ النساء ببلدةٍ * وأنت بأخرى لا تَّبَعْتُك هائِما
متى ما يشأْ ذو الودِّ يصرمْ خليلَهُ * ويَعْبَدْ عليه لا محالةَ ظالما
وآلى جنابٌ حلفةً فأطعته * فنفسك ولِّ اللَّومَ إن كنتَ لائما
كأنَّ عليه تاج آل مُحَرِّقٍ * بأنْ ضرَّ مولاه وأصبح سالما
فمن يلقَ خيراً يَحْمَدِ الناسُ أمرَهُ * ومن يغوِ لا يَعْدَمْ على الغيِّ لائما
ألم ترَ أن المرء يجذم كفَّهُ * ويجشم من لوم الصديق المجاشما
أمن حُلُمٍ أصبحت تنكت واجما * وقد تعتري الأحلام من كان نائما
أخوك الذي إن أحوجتك ملمةٌ * من الدهر لم يبرحْ لها الدَّهْر واجما
وليس أخوك بالذي إن تشعبتْ * عليك أمورٌ ظلَ يلحاك دائما

تلك قصيدة المرقش التي قيل إنه صور فيها ما جرى بينه، وبين فاطمة بنت منذر غير أن أبيات القصيدة لا تستجيب لهذه الدعوى حتى لو أخذنا ببعض الأبيات التي قد يرى فيها الآخرون أنها حشرت حشراً، فإن القصيدة لا تصور تلك المغامرات الرهيبة التي اخترقت الحصون والجنود، وإنما تصور حلماً رآه الشاعر، وتحدث به وناله من ذاك الحديث ما ناله حتى غدا رأسه في الأرض كأنه يخطط في الأرض صامتاً لا يدري بماذا يقول، وما ذنبه إذا كانت الأحلام تعتري النائم، ولا سلطة له عليها !

فهل يعني هذا من طرفٍ آخر أنَّ المرقش كان وراء تلفيق كذبة ما بدأت بسيطة بادعاء حبه لابنة الملك، ومبادلتها الحب بالنظرات، أو شيء من هذا القبيل، ثم تحولت إلى مغامرات لا حدّ لها عندما أتيح لها لسان جناب وغير جناب، ومن ناحية أخرى فإن دلالة اسم فاطمة على الانقطاع هو أسلوب الشعراء في العصر الجاهلي، واللافت للنظر كما أسلفت ورود ابنة البكري في المقدمة أي أسماء البكرية عشيقة المرقش الأكبر، وتلك صيغة نجدها كما هي عند شعراء آخر العصر الجاهلي كزهير بن أبي سلمى حيث يقول([47]) :

إن الخليط أجدَّ البين فانْفَرقا * وعُلِّق القلب من أسماء ما علقا
وفارقتك بِرَهْنٍ لا فكاك له * يومَ الوداع فأمسى الرَّهْنُ قد غَلِقا
وأخلفتك ابنة البكري ما وعدتْ * فأصبح الحبلُ منها، واهناً خلقا

فما الذي أتى بها في قصيدة قيلت في فاطمة ؟ والمرقش الأكبر أحقُّ بها وهو الذي اكتوى بفراقها، ولِمَ لا يكون المرقش الأكبر قد حدَّث ابن عمه جناب ابن عوف بحبه لأسماء، فأفسد عليه حبَّه، وحال بينه وبين زواجه منها بعدما أصبحا على كل لسان، وكان أقسم له ألاّ يبوح بسرّه فنكث بعهده، ليغمر صاحبه بذاك الحزن الذي عضَّ فيه على إصبع الندم كناية عن أسفه وبوحه بسرّه له، وليس كما تذهب الروايات إلى أنه قطع إصبعه من شدة ندمه وكان البيت الذي يذكر فيه أن جناباً أصبح وكأن تاج آل محرِّق على رأسه وراء تلفيق قصة فاطمة بنت المنذر، بعد أن توافر لهم الاسم، وتاج آل محرق وهو إنما أراد أن يقول بأنه لا يستحيي من فعلته، ولا يطأطئ رأسه خجلاً مما ألحقه به من أذى، بينما كان الحياء والخجل والأسف وراء طأطأة رأس المرقش الذي أصبح يسير بين الناس، ورأسه في التراب، وإذا كان أخطأ في كشف سرّه فلامه الناس على ذلك، فإن الآخر كان أشد خطأ، ولكن لا أحد يلومه .

وثمة أمرٌ آخر وهو أن طرفة بن العبد يشير إلى أن حبَّ أسماء ذهب بعقل المرقش حتى أودى به :

كما أحرزتْ أسماءُ قلب مرقِّشٍ * بحب كلمع البرق لاحت مخايلهْ
وأنكح أسماءَ المراديَّ يبتغي * بذلك، عوف أن تُصَابَ مقاتلهْ
فلما رأى أنْ لا قرارَ يُقِرُّهُ * وأن هوى أسماء لا بدَّ قاتلهْ
ترحل من أرض العراق مرقِّشٌ * على طربٍ، تهوي سراعاً رواحلهْ
إلى السَّرْوِ، أرضٌ ساقه نحوها الهوى * ولو يَدْر أنَّ الموتَ بالسرو غائِلُهْ
فغودر بالفَرْدَيْنِ : أرضٍ نطيةٍ * مسيرةَ شهرٍ دائبٍ لا يواكِلُهْ
فيالك من ذي حاجةٍ حيل دونها * وما كلُّ ما يهوى امرؤٌ هو نائِلُهْ
فوجدي بسلمى مثل وجد مرقِّشٍ * بأسماء إذ لا تستفيقُ عُواذِلُهْ
قضى نحْبَهُ، وجداً عليها مرّقشٌ * وعلّقتُ من سلمى خبالاً أما طِلُهْ
لعمري لموتٌ لا عقوبة، بعدَهُ * لذي البثِّ أشفى من هوىً يزايلُهْ

فطرفة يستلهم قصة مرقش شعراً، وهي تلتقي في كثيرٍ من معانيها مع ما يذكره المرقش في خطابه لفاطمة، و تصميمه على اللحاق بها أينما حلت أو رحلت، ومهما باعدت بينهما المسافات، وإنَّ ما يميز قصيدة المرقش ليس المقدمة الغزلية، وحديثه عن ابنة ا لبكري فحسب، وإنما الشق الثاني منها، وهو رحلة الظعائن في اكتمالها وجماليتها، وهي تذكر برحلة زهير في المعلقة مما يشير إلى إفادته من رحلة المرقش، فقد تناصتا في الأسلوب، والألفاظ والمعاني، في حين لم تكن الرحلة الذاتية في اتباع ابنة البكري مثلها، وكان الشاعر في عجلة من أمره للوصول إلى فاطمة، وإن دلَّ ذلك على شيء إنما يدل على صدق تجربته الشعرية التي صدرت عن معاناة حقيقية للشاعر المفارق وبهذا يكون المرقش من أوائل الذين أسسوا لرحلة الظعائن بالشكل الذي نراه عند الشعراء اللاحقين .

ولنا أن نلاحظ أن المرقش الأصغر لم يذكر ابنة عجلان باسمها هند، ولم يقصَّ علينا أية مغامرة من مغامراته التي تحدث عنها الرواة، وإنما كان حزيناً على فراقها حزن حبيبٍ عفيف النفس يرى في حبيبته أجمل الخلال والأوصاف ويأرق لبعدها، وزيارة خيالها له، وهو ما أشار إليه طرفة في قصيدته "بحبٍ كلمع البرق لاحت مخايله" موافقاً به قول مرقّش : "أرقني الليلَ برق ناصبٌ" كما أشار إلى انتقام والد أسماء من مرقّش بقوله : "وأنكح أسماء المرادي يبتغي… أن تصاب مقاتله" أي أن يصيب مرقشاً في مقتله، كما أشار إلى لائميه وعواذله، مما يجعلنا نفكّر في دلالة ابنة عجلان في أن تكون رمزاً

لعجلة عوف في زواجها، وعجلته في الرحيل عن قومه، فرمز له الشاعر بلقب عجلان وهو ما تؤكده قصيدته في بقايا ديار ابنة عجلان ورحيلهم عنها، ولو كانت ابنة عجلان خادمة لفاطمة لما كان لها بقايا ديار كانت تسكنه، ثم ارتحلت عنها ليقول لها الشاعر :

يا ابنة عجلان ما أصبرني * على خطوبٍ كنحتٍ بالقدومْ

ثم يقول :

وللفتى غائلٌ يغولُهُ * يا ابنة عجلانَ من وقع الحتومْ

فضلاً عن أنها تلتقي مع قصيدته التي خاطب بها فاطمة، وتبعها هائماً على وجهه، وقد ختمت القصيدتان بحكمة تحمل المعاني نفسها، وكانهما تتحدثان عن موضوع واحد، لا يمكن الفصل فيهما بين ثلاثة أسماء، (ابنة عجلان وابنة البكري، وفاطمة ) أسماء لشخصية واحدة قصدها الشاعر، وتحدث عنهن بمعانٍ وألفاظ شبه موحدة ؛ حتى إن القدامى خلطوا بينهم في بعض الأحيان كقول محمد بن دواد الجراح المتوفى سنة 269هـ : "وكانت صاحبة الأول اسماء، وصاحبة الثاني فاطمة بنت عجلان."([48])

ألا يدفعنا كل هذا إلى القول بأن المرقشين هما مرقش واحد ؟!

المصــادر :
------------------------

([1]) طبقات فحول الشعراء : 1 / 40 .
([2]) الشعر والشعراء : 103 .
([3]) العمدة : 1 / 86 .
([4]) ديوان المرقشين : 9 و 10 .
([5]) ينظر الشعر والشعراء : 103 .
([6]) ديوان المرقشن : 11 .
([7]) المفصل في تاريخ العرب : 9 / 460 .
([8]) تاريخ الأدب العربي قبل الإسلام : 380
([9]) المصدر نفسه : 9 / 458 .
([10]) ديوان المرقشين : 67 .
([11]) ديوان المرقشين : 55 .
([12]) المفصل : 9 / 210 .
([13]) المفصل : 9 / 210 .
([14]) ديوان المرقشين : 55 .
([15]) تُنظر المفضليات : 225 تحقيق الدكتور عمر فاروق الطباع .
([16]) ديوان المرقشين : 48 .
([17]) المصدر نفسه : 59 .
([18]) ديوان المرقشين : 65 .
([19]) ديوان المرقشين : 73 .
([20]) المصدر نفسه : 78 .
([21]) ديوان المرقشين : 83 .
([22]) المصدر نفسه : 80 .
([23]) الشعر والشعراء : 105 .
([24]) معجم الشعراء : 10
([25]) العمدة : 1/87 .
([26]) المزهر : 2 / 476 .
([27])جمهرة أشعار العرب : 1 / 553 .
([28]) المفضليات : ق 55 / 241، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، وعبد السلام محمد هارون .
([29]) تاريخ الأدب العربي : 145 د. عمر فروخ .
([30]) تعنى ابن سعيد الأندلسي، وقد حقق الدكتور نصرت عبد الرحمن كتابه "نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب." وقد ترجم للمرقش الأصغر بقوله : ابن أخيه (يعني الأكبر) عمرو ابن حرملة المرقش الأصغر، وقد قيل : إنه خال طرفة ." ينظر المصدر المذكور : 2/625.
([31]) ديوان المرقشين : 17 .
([32]) المفضليات : 250 .
([33]) الشعر والشعراء : 107 .
([34]) ديوان المرقشين : 78 وينظر المفضليات : 227 .
([35]) يُلاحظ أن الشاعر لم يشبع تفعيلة العروض، وكان بإمكانه أن يقول : مُطرَّحاً على الحال. لكنه آثر التصريع بعد ثلاثة أبيات .
([36]) ينظر مدلولات أسماء النساء في القصيدة العربية : 132، د. عبد الحق حمادي الهواس .
([37])نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب : 2 / 634، لابن سعيد الاندلسي، تحقيق : د. نصرت عبد الرحمن .
([38])شرح ديوان الحماسة : 1 / 523، لأبي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي، نشره أحمد أمين وعبد السلام هارون – 1991 دار الجبل .
([39])شرح حماسة أبي تمام : 1 / 216 للأعلم الشنتمري . تحقيق الدكتور علي المفضَّل حمّودان، دبي – 1992م .
([40])ديوان المثقب العبدي : 54 تحقيق الدكتور حسن حمد، وينظر مدلولات أسماء النساء في القصيدة العربية : 270
([41]) ديوان المرقشين : 87 .
([42])ديوان المرقشين : 94.
([43]) المفضليات : 247.
([44]) ديوان المرقشين : 97.
([45]) الصرم : القطع - الضَّال : سدر الجبل الذي لا يشرب الماء، فرع الضالة : أراد به القوس - الخوص : الإبل الغائرة العيون من جهد السفر - نعائم : جمع نعامة - الوارد : الطويل المتراكم المتراكب - حبي المزن : ما اقترب من السحاب - الرباب : سحاب دون السحاب الأعظم - سواجم : تسكب الماء . فهو يشبه ريقها بماء المزن، المعصم : موضع السوار - الوذيلة : مرآة الفضة - اقتعدن : ركبن - المفائم : الإبل العظام - أي المراكب الواسعة، تحملن : رحلنْ - الوريعة : اسم مكان - اجتزعن : قطعن - الصرائم : قطع الرمال - قو : موضع - المخارم : طرف الجبال.
([46]) المنسدلات : الذوائب المسترخية - المثاني : الحبال - الفواحم السود - الخميص : الجائع - الخرق : ما اتسع من الأرض، الرجم : الرمي - يعفو : يكثر - القلى : البغض - يجشم : يكلف على مشقة - الطلق : الذي لا حرّ ولا قرّ فيه ولا شيء

يؤذي، متلائم : متلاحم موصول - يعبد: يغضب- آلى : حلف- جناب : هو جناب بن عوف-مولاه : صاحبه - يغوي : يضلّ ويخيب-يجذم: يقطع- تنكت : من نكت أي خطط في الأرض - الواجم : الحزين .
([47]) ينظر مدلولات أسماء النساء : 34 .
([48]) من اسمه عمرو من الشعراء في الجاهلية والإسلام : 44 تحقيق د. محسن غياض عجيل، ود. مصطفى عبد اللطيف جياووك .
==================
موقع الدكتور عبد الحق الهواس :
http://www.geocities.com/al_hawwas/Murkeshan.htm

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: